“الرقة”.. حكاية أول مدينة سورية تسيطر عليها فصائل مسلحة

أطفال سوريون ينظرون إلى أحد الجسور التي دمرها التحالف في الرقة-إنترنت

الرقة في 6 سنوات خراب السلاح والتسليح…. والتحالف والمدمر…. تغريبة الرقة في سطور

سناك سوري-محمد العمر

آلاف النازحين والمشردين قصدوا الرقة بين عامي 2011 و2013 هرباً من جحيم الحرب في “دير الزور، إدلب، حمص، درعا…إلخ”، كانت مدينة الرشيد حينها آمنة مستقرة تقدم فيها الخدمات بشكل متوازن للنازحين والسكان المحليين ويراقبون معاً تطورات الأوضاع في غير أماكن ونتائج استخدام السلاح والتسليح وربما يشكرون السماء على أن “الرقة” استطاعت أن تبقى بعيدةً عن دائرة العنف.

الرقة التي نالت من اسمها نصيباً طيباً قبل عام 2013 انقلبت رأساً على عقب في الخامس من آذار من نفس العام، كانت المشاهد المتواردة من المدينة تؤكد أن شيئاً في مصيرها وتاريخها تغيّر لزمن طويل وربما إلى الأبد، مئات المسلحين الملتحين وغير الملتحين انتشروا في شوارع المدينة وسيطروا على مفاصلها الرئيسية والحيوية معلنين بدء مرحلة العنف في هذه المدينة.

كانت الرقة أول مركز مدينة يقع تحت سيطرة فصائل المعارضة، فمسلحو فصائل “الجيش الحر” و”ثوار الرقة” و”كتائب الفاروق” وغيرهم من الفصائل التي قادها حينها مايعرف بـ “الدولة الإسلامية في الشام” و”جبهة النصرة” حينها كانوا في مثل هذا اليوم قبل 6 سنوات يجتمعون في مبنى المحافظة المدني ويعتقلون المحافظ وأمين فرع الحزب في ذات المبنى الذي تحول من مقر مدني خدمي إلى مقر لفصائل مسلحة يدعمها ناشطون وإعلاميون أطلقوا على الرقة حينها وسم “المدينة المحررة”.

المدينة التي كانت تراقب من بعيد تصاعد العنف في غير مدن سورية أصبحت ساحة للعنف، ومرتعاً لمئات المسلحين الذين أخذوا المدينة معهم إلى دائرة عنف طويلة الأمد، دفع الأهالي ثمنها غالياً من ضحايا ونزوح وتشريد وتدمير.. إلخ.

وحدها قيادة الفرقة 17 التابعة للجيش السوري صمدت في وجه هذا التقدم للفصائل المدعومة عربياً ودولياً حينها ومثلها مطار “الطبقة” العسكري، وواجها طويلاً حصار الفصائل المعارضة التي سرعان ما انشغلت بخلاف الغنائم الذي لم يدم طويلاً وانتهى بخروج “النصرة” والفصائل الأخرى من المدينة بعد أن قرر “داعش” أن يكون المسيطر الوحيد هناك فقضى على حلفاء الأمس بالتفجيرات والاغتيالات وسيطر بحلول كانون الثاني 2014 على المدينة بشكل كامل عقب انسحاب بعض قيادات فصائل المعارضة بعد هزيمتها أمام التنظيم ومبايعة بعضهم الآخر للتنظيم.

اقرأ أيضاً: أهالي الرقة يحفظون آلاف الكتب من “داعش” ويعيدونها لوزارة الثقافة السورية

مارس التنظيم كافة الفظائع والانتهاكات بحق المدنيين في “الرقة”، كان يقيم مراسم الإعدام والذبح العلني وسط حشود من الناس في الساحات العامة، اتهامات الكفر والانحراف و مخالفة الشريعة كانت شائعة و كفيلة بأن تودي إلى الموت على يد مسلحي “داعش” الذين فرضوا الخمار واللباس الشرعي على المرأة دون أن يرأفوا بحال النساء ممن يخالفونهم.

حكم “داعش” سكان “الرقة” بالحديد والنار بعد أن قدمت الفصائل المسلحة المدينة له على طبق من “ذهب”، وهرب مئات الآلاف من المعارك والقصف وجرائم التنظيم ومنذ رفع اللافتات في مدخل المدينة بعبارة “الدولة الإسلامية في العراق و الشام_ ولاية الرقة” تحولت المدينة إلى كتلة من الخوف والرعب اليومي، كان الموت بكل أشكاله يهدد حياة سكان المدينة، فالتنظيم يذبح من يشاء لأتفه الأسباب.

استمرت المعاناة لدى أهالي المدينة من ممارسات “داعش” دون أن يدروا أن هناك مصيبة جديدة ستحل على رؤوسهم، ففي يوم 22 أيلول عام 2014 وبعد حوالي العشرة أشهر على سيطرة “داعش” على “الرقة”، بدء التحالف الدولي بقيادة “واشنطن” بعمليات عسكرية قال إنها ضد “داعش”، فانتشرت أجساد ضحايا غارات التحالف في الشوارع وتحت الأنقاض جنباً إلى جنب مع أجساد ضحايا “داعش”، أهالي المدينة ربما لم يعرفوا طريقاً للحياة أكثر من الموت نفسه تلك الأيام.

اقرأ أيضاً: هل ينتهي الصراع في الرقة بـ “شق المحرمة البيضاء”؟

طالت سنوات سيطرة “داعش” على المدينة التي اتخذها عاصمة له وصبغ معالمها بصبغته المتطرفة وحكم أهلها بأحكام السيف والترهيب حتى أواخر تشرين الأول 2017 حين تم طرد التنظيم من “الرقة” وإحكام السيطرة عليها من قبل قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف الأميركي، لكن مساندة التحالف لم تكن مجانية فكانت الضريبة أن خلّف قصف طيران التحالف نسبة دمار هائلة جعلت المدينة ركاماً إثر ما يسميها التحالف “أخطاء في الأهداف” أدت إلى تدمير المدينة وبناها التحتية وإزهاق أرواح مئات المدنيين من أطفال ونساء ورجال.

هزيمة التنظيم لم تنهِ معاناة أبناء الرقة الذين مايزالون حتى اليوم نازحين عن مدينتهم التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، فالألغام المتفجرة التي خلفها داعش لاتزال تحصد أرواح المدنيين بين الحين والآخر، والمنازل والأبنية مدمرة بنسبة تصل إلى 90% في حين ينتظر، إلى جانب التوترات الأمنية والمواجهات التي حدثت بين فصائل محلية من الرقة وقوات سورية الديمقراطية، ناهيك عن الجسور التي دمرها التحالف مقطعاً أوصال المحافظة، إضافة للاغتيالات وغيرها من الأحداث التي حولت المدينة الآمنة المستقرة قبل عام 2013 إلى مدينة غارقة بالعنف ونتائجه منذ ذلك الحين وحتى اليوم.

اقرأ أيضاً: خلف قرص الشمس الكثير من أسنان أطفال الرقة.. وأرواحهم أيضاً!

وقعت”درة الفرات” كمثيلاتها من المدن السورية ضحية للعنف الذي حولها من مدينة تعج بالقصور التاريخية ومعالم الحضارات المتعاقبة على تاريخها إلى أطلال وشواهد على إجرام تنظيمات متطرفة وطيران أمريكي حوّل بيوتها أثراً بعد عين، ومع ذلك فهي ماتزال في دائرة الخطر بظل التهديدات التركية لمناطق شمال شرق سوريا التي تسيطر عليها “قسد”، بينما يرى مراقبون أن أفضل طريقة لتحصين المدينة ونهوضها تدريجياً يتمثل باتفاق سوري سوري يجمع شمل المدينة وأهلها ويبعد السلاح والمسلحين عنها إلى الحدود للذود عنها ضد أي عدوان خارجي.

ينتظر أهالي الرقة المشردون في المخيمات والمحافظات الأخرى ودول اللجوء أن يطمئنوا للعودة إلى مدينتهم التي لا يمكن أن تنهض من جديد بدون سواعدهم وعرقهم وإرادتهم، فهم ترياق حياتها الرئيس بعد أن كان السلاح والتسليح خرابها.

اقرأ أيضاً: العفو الدولية توثق تدمير “التحالف” لمدينة “الرقة” السورية!

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع