الراعي دبلوماسي ناجح.. متمرس جداً في سياسة القطيع!

رعاة يروون لـ”سناك سوري” تفاصيل رحلتهم اليومية: ناي وشعر وعتابا (ولا مطعم باريسي)

سناك سوري-عبد العظيم العبد الله

أكثر من أربعين عاماً أمضاها “أحمد الضحوي” في رعي الأغنام حتى بات أحد أقدم الرعاة المتمرسين في ريف “القامشلي”، وهو اليوم يستعد لتوريث هذه المهنة لأطفاله.

يقول “الضحوي” لـ”سناك سوري” إن أجمل ما في مهنة الرعي هو أن الرعاة لا يفكرون بأي أمر حين يضعون رأسهم على المخدة ليلاً «سوى باختيار مكان المرعى المناسب، حيث يهمنا اختيار نقطة للمرعى يشبع منها الحلال، بالإضافة إلى وجود نهر أو آبار للمياه قريبة».

تبدأ رحلة الرعي قبل بزوغ الفجر بقليل، فينطلق “الضحوي” بصحبة الأغنام مطلقاً العنان لصوته وهو يصدح بالعتابا والمواويل وإلقاء الشعر وحتى عزف الناي الذي يبرع به، ليؤنس بذلك نفسه ويؤسس لجو جميل ترعى الأغنام وسطه، لكأنها زبائن مطعم يقدم الموسيقى والتسلية لزبائنه، يضيف “الضحوي”: «أحياناً يجالسني أشخاص لا أعرفهم، ليستمتعوا بالعزف والشعر، الكل يعرف بأننا لا نفكر بالهموم ومتاعب الحياة، من يعيش حياتنا عليه أن يكون براحة بال وسعادة، ومن يأتي إلينا سيجد تلك اللحظات».

الأنعام أمانة يصونها الراعي لأصحابها دون عقد رسمي أو شهود

تنتهي رحلة الرعي بحلول الساعة الـ10 صباحاً، حيث تفضل الأنعام تناول طعامها في الوقت ما بين بزوغ الفجر وساعات النهار الأولى، كما يقول “سعد طاهر” أحد الرعاة في بلدة “اليعربية” شمالي “الحسكة”، مضيفاً أنه وفور عودتها تبدأ التفاصيل الأخرى كحلبها وقص صوفها واستراحتها، وتجهيز مياه الشرب لها.

“طاهر” أسس علاقة اجتماعية عمرها عشر سنوات في المنطقة، استقر فيها، بات جزءاً مهماً من القرية وناسها، له ما لهم وعليهم، كما يقول مضيفاً لـ”سناك سوري”: «عام 2010 توجهت من بلدة القحطانية إلى ريف اليعربية من أجل الرعي، لم تكن لدي أي مهنة أو صنعة، باشرتُ بالإشراف على 200 رأس غنم لعدد من الأسر، بداية الأمر كنت آخذ على كل رأس 100 ليرة سورية نهاية كل شهر، مع وجبات الحليب والجبن واللبن والصوف أثناء القص فترة الربيع، وتم تخصيص مكان لنومي ويقدمون لي أكلي وشربي، وكأني جزء من تلك الأسر».

بعد أن دخل “طاهر” القفص الذهبي من إحدى نساء قريته قبل خمس سنوات، عاد مع زوجته لمتابعة عمله بمساعدتها «لكن صيغة الأجر تغيرت من أجرة شهرية بالمال، إلى منحي خراف عند الولادة، يتم الاتفاق على العدد بناء على كميات الأغنام التي أسوقها للرعي».

شكلت الأجرة الجديدة مردوداً مالياً جيداً لـ”طاهر” الذي كان يستعد لبناء أسرته، بالإضافة لاحتفاظه بحصته من الجبن واللبن والحليب، وكمية الصوف، التي كان يبيعها ويستفيد من ثمنها، يضيف: «أفضل أمر بين الراعي وأصحاب الغنم، هو أنه لا توجد بينهم عقود وشهود أثناء الاتفاق، كله شفهي، ولم نسمع بأي خلاف على مدار السنوات البعيدة».

اقرأ أيضاً: الجزيرة السورية.. الربيع الأول من نوعه منذ 40 عاماً!

الراعي يلبس الصوف ليشعر بالبرد!

عدّة الراعي أثناء رحلته بسيطة وخفيفة، لا تكلفه جهداً أو مالاً، فهي عبارة عن إبريق من الماء يلفه بقطعة قماشية كي يحافظ على برودته في فترة الصيف، ودابة يصعد عليها إذا كانت مسافة الرعي بعيدة، وقطعة من الخبز يتناولها عند الجوع الشديد ريثما يعود إلى مكان إقامته.

لكن ارتداء الراعي لملابس شتوية صوفية سميكة خلال فترة الرعي في فصل الصيف يجلب الاستغراب لكل من يراه، وهو استغراب بدده الراعي “حمود الصعب” في حديثه مع “سناك سوري”، قائلاً: «غالبيتنا يلبس فروة صوفية وكنزات من الصوف تحت الفروة الرئيسية، في عز الصيف ورغم أن درجة الحرارة تصل للخمسين في البرية، لأن حياتنا كلها في العراء، ويعرق الجسم، وحماية جسدنا بالصوف يعطينا نسمة باردة على جسدنا».

«هناك قوانين أخلاقية للرعي علينا التقيد بها»، يقول “الصعب” مضيفاً: «منها عدم ترك حلالنا يدخل للمحاصيل الزراعية للمزارعين من أجل الرعي فيها، حتى لو كان صاحب الزرع والمحصول بعيدا ولا يشاهد ذلك، فأمانة الرعي مسؤولية كبيرة، وتتضمن أيضاً اختيار المكان المناسب للرعي، حتى تشبع الحلال جيداً، وبإمكان الراعي أن يعرف إذا شبعت أو لا، أو إذا كانت الدابة مريضة أو سليمة، فإذا لم تتناول الطعام بالمرة فهي مريضة، وإذا جلست بعد فترة زمنية من الرعي، يعني أنها شبعت من طعامها».

يُفضل كثير من أصحاب المواشي أن يكون الراعي من فئة الشباب، فهم ينبضون بالحيوية والنشاط، لكن الحاج “حسين صبري” من أهالي بلدة “الجوادية” يصعب عليه أحياناً كثيرة كسب راعي شاب، فيضطر حسب قوله أن يخرج هو للمرعى وعمره يتجاوز الـ80 عاماً، ومرات تخرج زوجته التي تقاربه العمر، هناك في أماكن أخرى تخرج الفتيات الصغيرات للمرعى إذا دعت الحاجة.

تفاهم واضح بين الراعي والأغنام، وفي تفاصيل كثيرة، وكأن لغة مشتركة تجمع بينهما، يشير الراعي “سالم السطم” إلى ذلك، فعندما يسير في مقدمة الحلال، يكون على يقين بأن جميعها خلفه حتى لو وصل العدد لـ500 رأساً، ولمجرد وقوفه تقف بنسق كامل خلفه، ولا يمكن ضياع أي رأس سواء كان المرعى ليلاً أو نهاراً، إنها سياسة القطيع التي يعرفها الراعي جيداً ويعول عليها كثيراً!.

اقرأ أيضاً: المرأة الريفية… زراعة وحصاد وطبخ وجلي وغسيل وتسوق

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع