الذنب المزدوج في الرد على رسوم شارلي إيبدو _ناجي سعيد

ناجي سعيد

من الطبيعي أن يتعاطف جمهور المجرم مع جمهور الضحيّة.. دون أن يعترف الطرفان بأنهما ضحيّة

سناك سوري- ناجي سعيد

لستُ مستغربًا من حدوث هذا النوع من الجرائم، كذبح المُدرّس الفرنسي صامويل باتي (47 عامًا). فهذه الجرائم هي ردّات فعل تظهر وكأنها نابعة من وعي المجرم. لكن القصد غير الوعي. فمُنفّذ الجريمة يقصدها بلحظة تنفيذها، لكنّه لا يعِ شناعة فعلته، وينقصه وعيًا يحرّك سلوكه السويّ.

فتراكم المشكلات التي تتكدّس داخل أي إنسان، يضغط على منطقة الوعي النابعة من العقل فيُفقدهُ حُسن التصرف. وبالتالي، فتأثير هذه الضغوطات يُسبّب فقدان التوازن المنشود بين العقل والقلب. فهذا التوازن هو المؤشّر الواضح المباشر الذي يدفع الإنسان إلى المضيّ في مسار سلوكي صحيح. إذاً فبعلم النفس، وبحسب معلوماتي المحدودة، لا أحد يقصد أن يرتكب جريمة.

وحتّى لو كان هناك عقل مُدبّر ومُخطّط للجريمة، فلا أشكّ لحظة بمرض صاحبه. ومشكلة الجريمة برأيي التربوي، تنبع من أسباب تربوية ولو كانت غير مباشرة. وليس استهتارًا واستخفافًا، فقد يضحك من يشاهد فيلمًا عربيًّا، يُظهر مُجرمًا سفّاحًا، كان السبب لسلوكه طريق الإجرام، هو حرمانه من دُميته في طفولته .

اقرأ أيضاً:جودت سعيد.. العلامة الإسلامي الذي أصبح مرجعاً باللاعنف_ ناجي سعيد

وقد تكون حادث عرضي من قبل إخوته، لكنّ الحادث هذا تافهًا من وجهة نظر الكبار، ولكنّه عميق الأثر في الطفولة ولو لم يُعالج لتمادت نتائجه وانقلبت إلى جريمة يرتكبها صاحب هذا الجرح العميق، الذي يشبه ندبة لا تعالج إلا بعملية “تجميل” لكن على المستوى النفسي.

ومن الطبيعي أن يتعاطف جمهور المجرم مع جمهور الضحيّة، دون أن يعترف الطرفان بأنهما ضحيّة. فمن يعترف بشكل فردي بأنه ضحية، تتورّط بيئته الحاضنة بمسار النقد الذاتي الذي يعمل على تفكيك عناصر الخطأ في تركيبة الهويّة الجماعيّة. نعم فالهوية الجماعية هي صنيعة المجتمع، وفكرة الوعي النقدي تعني بأن الهوية المقصودة تحمل الأخطاء، وهذا ما لا تستسيغه الجماعة. الهوية الجماعية هي نتاج موروث شعبي، تراكم مع الأجيال، ومن المستحيل أن يحتمل الوعي النقدي.

وقد قسّم عالم الإجتماع البرازيلي “باولو فيراري” الوعي عند الناس إلى ثلاثة، هي كالآتي: الوعي السحري، وهو يضمّ فئة من الناس تحمل تفكيرًا غيبيًا، وتؤمن بكل ما هو مُنزل على أنه صحيح مئة بالمئة. وهم يسلّموا بالأفكار الموروثة، أي “بالمشبرح”، لا يعرفون واقعهم ولا يسعون للتغيير الذي يطوّر حياتهم. والمستوى الثاني هو الوعي الساذج بحسب فيراري، وهم من يعون واقعهم ولكن يؤمنون بأن ما بيدهم حيلة للتغيير، أما الفئة الثالثة، فهم أصحاب الوعي النقدي، الذين يعرفون جيّدًا واقعهم، ويبذلون جهدهم للوصول إلى تغيير يصبون إليه.

والذنب في الجريمة الحاصلة، ومن منظار لاعنفي، يحمله الإثنان، فنشر الكاريكاتير يشكّل استفزازًا لفئة من الناس. وطالما يدرك الفرنسيون بأن ردّة فعل المتطرّفين من الإسلام ستكون عنيفة، فحريٌّ بالدولة أن تمنع عن نشر ما يستفز فئة موجودة في فرنسا، وقد تحمل حقوق المواطنة الفرنسية حيث تحمل الجنسية. وبالطبع ليس هذا تبريرًا للمُتطرّف بأن يقتل. بل عليه أن يلتزم بإسلامه، الذي يدعو إلى المحبة والتسامح.

ومن لم يسمع قصّة الرسول الذي ذهب ليطمئنّ على جاره اليهودي الذي كان يرمي كيس القمامة يوميًّا أمام باب داره؟ ومن الحريص على نشر الدين الإسلامي؟ رسول الله؟ أم مُتطرّف لم يتلقَّ تربية صحيحة، ويعاني العديد من الأمراض النفسية، جعلته يحمل السلاح ليقتل من ينتقد هويّته غير المكتملة بداخله؟ فعندما قال الله بأنّ النبي محمّد هو خاتم النبيّين، بالطبع لم يكن يقصد بأن يلغي الأديان السابقة. فالله هو الخالق وقد أنزل الأنبياء على مناطق يعلم بأن إصلاح مجتمعاتها لا يكون إلاّ بالرسائل السماوية.

اقرأ أيضاً:ثقافة الاختلاف والخطوط الحمراء_ناجي سعيد

وهل يقتنع مرتكب الجريمة بأن الله خالق البشرية من الممكن أن يوصي أحد الأديان بإلغاء دين آخر؟ ليس كلامي هو ترجيح لكفّة نشر الكاريكاتير المسيء للرسول، بل أيضًا يطال نقدًا لدولة علمانية في أوروبا، والعلمانية ليست إلحادًا، أن تدرس بدقّة تراعي فيها مشاعر معتقد هو من مكوّنات في دولتها. لقد اقتنعت بفكرة أستاذي الفيلسوف الفرنسي جان ماري مولر في كتابه “نزع سلاح الآلهة”، بأن الله محبّة، وما يثبته بأنه هناك غربة بين الكتب السماوية وتفسيرها.

فالتفسير صنيع البشر، والبشر هم من صنيع المجتمعات التي تسيطر عليها أنظمة سياسية في أغلب الأحيان ليس من مصلحتها تفسير الكتاب السماوي كما أنزل بالوحي. وما قرأته عن التوراة حين بحثت عن المقولة الأشهر ليسوع: “أمَّا يَسوعُ فخرَجَ إلى جبَلِ الزَّيتونِ. وعِندَ الفَجرِ رَجَعَ إلى الهَيكَلِ، فأقبَلَ إلَيهِ الشَّعبُ كُلُّهُ. فجَلَسَ وأخَذَ يُعَلِّمُهُم. وجاءَهُ مُعَلِّمو الشَّريعةِ والفَرِّيسيُّونَ با‏مرأةٍ أمسَكَها بَعضُ النـاسِ وهيَ تَزني، فَأوقفوها في وَسْطِ الحاضرينَ، وقالوا لَه يا مُعَلِّمُ، أمسَكوا هذِهِ المَرأةَ في الزِّنى. وموسى أوصى في شَريعتِهِ بِرَجْمِ أمثالِها، فماذا تَقولُ أنتَ، وكانوا في ذلِكَ يُحاوِلونَ إحراجَهُ ليَتَّهِموهُ. فا‏نحَنى يَسوعُ يكتُبُ بإصبَعِهِ في الأرضِ. فلمَّا ألحُّوا علَيهِ في السُّؤالِ، رفَعَ رأسَهُ وقالَ لهُم مَنْ كانَ مِنكُم بِلا خَطيئَةٍ، فَليَرْمِها بأوّلِ حجَرٍ. وا‏نحنى ثانيَةً يكتُبُ في الأرضِ. فلمَّا سَمِعوا هذا الكلامَ، أخذَت ضَمائِرُهُم تُبكِّتُهُم، فخَرجوا واحدًا بَعدَ واحدٍ، وكِبارُهُم قَبلَ صِغارِهِم، وبَقِـيَ يَسوعُ وحدَهُ والمرأةُ في مكانِها. فجَلَسَ يَسوعُ وقالَ لها أينَ هُم، يا ا‏مرأةُ أما حكَمَ علَيكِ أحدٌ مِنهُم، فأجابَت لا، يا سيِّدي فقالَ لها يَسوعُ وأنا لا أحكُمُ علَيكِ. إذهَبـي ولا تُخطِئي بَعدَ الآنَ”.

ونفهم من هذا بأن الله غفورٌ رحيم. وفي كل دين ورد هذا بلغةٍ يفهمها أهل المنطقة التي نزل عليها الدين. وبعد إحدى الجرائم المتطرّفة التي حصلت سابقًا، كانت ردّة فعل الكاتب اللبناني أمين معلوف بقوله: “أتمنّى أن ألتقي الله وأسأله، هل هذه الجرائم التي تُرتكب بإسمك، أنت مسؤول عنها؟” والغريب بأن كل قاتل يقتل يصرخ بعد جريمته: “الله أكبر”!! وقد كانت ردّة فعلي بالشعر العامّي:

كانت رسالة ونازلة من هالسما
تفركشت وقعت بحضن رجال دين
والناس كانت فهمتا بالوما
لوما تحكّموا فيها هالمستزلمين
عيون العنف صابت عيونن بالعما
وصاروا يقتلوا الأبريا، الله يعين
تخبّوا ورا اسم الله، وحقدن نما
انتقامن للربّ هو قتل المظلومين
وإن قابلت إلهي، ربّ السما
بوافق الراوي، معلوف أمين
هيدا القتل عليك بينسما؟
تا أعرف شو عم نعبد
شي مجرم أو الرحمن الرحيم

اقرأ أيضاً:التربية وبناء السلام _ ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع