الديمقراطية واللاعنف – ناجي سعيد

ناجي سعيد

هل تعلم أن العيش المشترك يعني أيضا أن تتقبل أصوات “اللقمسة” التي تنزعج منها!

سناك سوري-ناجي سعيد

أذكر من وقت مراهقتي المدرسية، وحين كنّا نتّفق على التغيّب عن حصّةٍ، لمادّة لا نحبّها، أو مُدرّس لا يُعجبنا أسلوبه، كُنتُ أبادر زملائي بالقول: “أنا سآتي غدًا لأراقب من سيخالف الاتفاق ويحضر”!! .

وكنتُ أعتبر هذا نوعًا من المُزاح والدعابة، لكنّه فعليًّا، هو هروب من الالتزام، والالتزام هو عبءٌ يُثقل كاهل الإنسان، فيلجأ إلى سلوك تعويضي، هربًا من الضغط الذي يشعر به، تحت وطأة الالتزام. والمشكلة في “الالتزام” قِيميًّا، أنها تحمل تبعات كثيرة، فالقيمة ليست سترة يلبسها المرء، تناسب هذا الحدث، وتكون غير ملائمة في حدثٍ آخر. ومن الممكن أن نعتبر قيمة “الديمقراطيّة” هي أُمّ القيم. ولا أستعير هذا المصطلح، لأكتب قصيدة أو موضوع إنشاء، بلّ لو ذكرت أمثالاً واقعيّة لتوضّح لنا مدى صعوبة الالتزام بالديمقراطيّة.

فعلى مستوى المشاعر الفرديّة، تخيّل أن أحد أفراد عائلتك، يُصدر أصواتًا حين يأكل شيئًا، وأنت من الأشخاص الذين ينزعجون جدًّا من هذه الأصوات، فالديمقراطيّة تفرض عليكَ أن تتقبّل الإزعاج. بمعنى ألا تُعبّر عن مشاعر الانزعاج التي تعتريك. لكن الإزعاج ليس رأيًا تُمنع من التعبير عنه. لكنّه شعور، وقد يؤدّي إلى مشكلة في حال قمع هذا الشعور.

اقرأ أيضاً: مفهوم الحرية – ناجي سعيد

إذًا بين الالتزام باللاّعنف، والديمقراطيّة، هل نسمح للرأي الآخر بأن يمارس عُنفًا باسم الديمقراطيّة؟، ومن المُضحك المُبكي أنّ من بديهيّات اللاعنف، عدم فرض الديمقراطيّة فرضًا. وكلّنا نعرف ولا حاجة للتوضيح، عن نتيجة الديمقراطيّة الأمريكيّة الزائفة المفروضة التي كانت ذريعة لحروب شنّتها أميركا على عدّة دول كالعراق وأفغانستان، فهكذا ديمقراطيّة تُنتج حروبًا بحجّة فرض الديمقراطيّة، التي من أسسها، عدم فرض الآراء فرضًا. ونحن هنا لسنا في صدد الحديث عن المجال النظري، بل تطبيقيًّا، على يُمكن فرض الديمقراطيّة؟.

فالديمقراطية، لغويًّا، هي مصطلح يوناني (lδημοκρατία dēmokrata)، ويعني حرفيًّا “حكم الشعب”. وهو شكل من أشكال الحكم. ومن هنا نرى الديمقراطية إحدى أساسات اللاعنف. فالعنف يُفضي بالتأكيد إلى إسكات الآخر، لا بل إلغاءه أحيانًا. وهذا تمامًا ما يناقض الديمقراطيّة التي تعتبر شكلًا من أشكال الحكم يعتمد على جمع الآراء المختلفة، والتوفيق فيما بينها، وبالطبع لصالح الشعب دون أن تقتصر الفائدة على طبقة واحدة.

حين تُفرض الديمقراطيّة بالحرب العنيفة، تكون النتيجة بأن يفرض المُنتصر مصالحه على الخاسر. وبالتالي نفقد قوام الديمقراطية، وفي حياة يوميّة نجد أن العيش المشترك هو الخطوات العمليّة التنفيذيّة التي تترجم الديمقراطيّة. فلكي تُطبّق هذا العيش المشترك، لا بُدّ أن تعتاد وتستسيغ الصوت الذي يُصدره أحد أفراد عائلتك حينما يمضغ الطعام.

اقرأ أيضاً: سلاح اللاعنف – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع