الدجاج غاب عن طقوس المكدوس هذا العام!

التقنين الكهربائي يعيد الألق للطاحونة اليدوية.. و”سناء” لن تشارك حماتها وسلايفها صناعة المكدوس العام القادم!

سناك سوري-وفاء محمد

يستمتع “أحمد” برؤية زوجته وأمه وزوجات إخوته وهنّ يتشاركنّ مراحل عمل صناعة “المكدوس”، بينما هو جالس “على جنب”، يشرب “كاسة متة”.

“أحمد” ليس جندرياً، هكذا يبدو للوهلة الأولى، إلا أن جانبه من هذا العمل ينتهي مُبكراً، كما يقول، ويضيف لـ”سناك سوري”: «مهمتي تكمن بإشعال النار، ووضع الطنجرة الكبيرة فوق الموقد، وأظل متواجداً طوال فترة السلق، التي وبمجرد انتهائها تنتهي مهمتي».

الصعوبة لا تكمن في عملية سلق الباذنجان المخصص للمكدوس، الصعوبة الحقيقية تكمن وفق “أحمد”، في عملية شراء المستلزمات التي كلفته 55 ألف ليرة، يضيف: «21 ألف ليرة ثمن كيلو ونصف من الجوز، 12 ألف ليرة ثمن 30 كيلو باذنجان، 22 ألف ليرة ثمن 40 كيلو فليفلة، وتقول لي زوجتي إن الفليفلة التي اشتريناها تكفي أيضاً مؤونة الدبس، في محاولة منها لتخفيف وهج المعاناة لديّ»، ولم يحتسب صديقنا الملكوم ثمن الزيت لكونهم يحصلون عليه من أرضهم.

اقرأ أيضاً: قطرميز المكدوس صار بدو قرض…”مونة” البسطاء في غلاء

الحماية بتتختير!

“سناء”، زوجته التي طالبت عدم ذكر اسم العائلة، لتأخذ راحتها بالحديث عن حماتها بشكل ودي طبعاً كما ذكرت، تقول إنّ أصعب جزء في عملية صناعة المكدوس ليس مراحل العمل، من تمليح وكبس وحشي، بل الأصعب حقاً هو «الختيرة (الختيرة مفهوم شعبي المقصود به إعطاء الملاحظات والنصائح من بعيد) يلي بتمارسها حماتي، على هون اشتغلتو صح، وهون غلطتو عيدو، والمكدوس رح يطلع محمض ما نشف من المي…والخ».

أما الجزء الآخر الذي لا يقل صعوبة، هو تبادل ثقافة صناعة المكدوس في ظل وسط لا يؤمن بالرأي الآخر، تقول “سناء” مازحة وتضيف: «سلفتي الحمصية عندها طريقة، وسلفتي اللاذقانية طريقتها مختلفة، ومحسوبتكم عندها طريقة، وحماتنا حياتنا عندها طريقة، وكل واحدة فينا بدها تفرض رأيها عالتانيين، وهاتوا على وشوشات جانبية على بعضنا البعض».

أكثر من 7 أعوام مضت وهنّ يتشاركنّ إعداد مؤونة المكدوس سوياً، وعند نهاية كل موسم، تقول كل واحدة فيهنّ لزوجها: «ليك هي آخر سنة بعملو مع أمك ونسوان إخواتك»، إلا أنّ بداية الموسم يشهد تغيراً بالرأي، بعد أن يقول الزوج: «معقول نتعذب بالسلق 3 مرات مع بعض؟!»، فيكبسنّ على جرحهنّ ملحاً، كما تكبس المكدوسة بالملح، ويتعاونّ سوياً على مضدد.

اقرأ أيضاً: لأصحاب القلوب القوية إليكم تكلفة (مونة المكدوس)

ألق الطاحونة اليدوية عاد!

غابت الكهرباء بكثرة بالتزامن مع موسم المكدوس هذا العام، ما فرضّ على السيدات استخدام الطاحونة اليدوية، تقول “سناء”: «حماتي تصرفت بذكاء شديد، وصالحت سلفتها قبل بدء الموسم وسط استغرابنا جميعاً، فهنّ لم يكنّ يتحدثنّ مع بعضهنّ البعض نتيجة مشكلة قديمة عمرها حوالي السنة، سرعان ما اكتشفنا السبب حين استعارت حماتي الطاحونة اليدوية من عند سلفتها، كانت تمتلك بعد نظر حقيقي!».

السيدات الأربع كنّ ينتزعنّ داخل الفليفلة في الصباح الباكر، ثم يعرضنّها للشمس طيلة اليوم، لتبدأ عملية الطحن مساءاً، قبل أن تتغلغل الرطوبة في الفليفلة الناشفة تقريباً، والمشكلة أن عملية الطحن كانت تتزامن مع بدء التقنين، وحتى بحلول فترة التغذية الكهربائية فإن الكهرباء تقطع باستمرار، ما يعرض محرك الطاحونة الكهربائية للتلف، وهو ما جعلهنّ يتأقلمنّ مع الواقع ويستخدمنّ الطاحونة اليدوية.

حشوة المكدوس

اقرأ أيضاً: السوريون واستثمار “الباذنجان”: “وحياة عينك ما منسيبك”!

طقوس غائبة

غاب الدجاج عن طقوس صناعة المكدوس هذا العام، ولمن يستغرب فكرة الدجاج والمكدوس، فإن الأهالي بالقرى الذين يسلقون الباذنجان على النار، اعتادوا بعد انتهاء عملية السلق، استثمار الجمر الناتج، لشي الدجاج، لكنّ الأمر اختلف حالياً، يقول “أحمد”: «أنا وأشقائي وأبي دفعنا أكثر من 200 ألف ليرة تقريباً، ثمن مستلزمات المكدوس، بالتأكيد لم يتبقّ معنا المزيد من الأموال لشراء 4 دجاجات، ثمنهنّ تقريباً 35 ألف ليرة، لذا استخدمنّ الجمر الناتج بصنع إبريق شاي وقامت وخلصت».

أكثر ما يثير استهجان “سناء”، هو أن حماتها وسلايفها، يسخرنّ منها لأنها تقوم بحشي بضع حبات من الفليفلة بحشوة المكدوس، وتوزيعها بين المكدوسات في المرطبانات، ثم لاحقاً يأكلن قطع الفليفلة المحشية ويتلذذنّ بها، تضيف: «مكدوس الفليفلة يعطي لوناً وطعماً لذيذاً للمكدوس، وهنّ يحببنّ هذا الطعم، إلا أنهن ومنذ سنوات طويلة يتهامسنّ عليّ كلما نفذت فكرتي، ضد مخهنّ تجربة شيء جديد».

تسر لنا “سناء”، أنها المرة الأخيرة التي ستصنع فيها المكدوس مع سلايفها وحماتها، مهما كلفها الأمر، وتخبرنا بخطتها العام القادم، بأنها ستقوم بصناعة مؤونتها من المادة عند والدتها، يسمع زوجها “أحمد” هذا السر، ويضحك في نفسه، ويقول لنا: «إذا هالسنة ظبطت معنا، وعملنا جمعية لنقدر نعمل مونة المكدوس، فالسنة الجاية متأكد مارح تظبط ويمكن يصير بدنا 200 ألف لحالنا، لهيك مارح استبق الحديث».

وأنتم ما رأيكن/م، هل ستنفذ “سناء” سرها العام القادم، أم أنها ستودع صناعة المكدوس؟!.

اقرأ أيضاً: سوريا: إمرأة ريفية تصدِّر المكدوس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع