الحاج مدخنة.. أيقونة البلاد وخطيئة الحكومة

مسابقة أكبر دخنة سجائر الكترونية - صورة تعبيرية

لو أن “ديكارت” لازال حيّاً ورأى “الحاج مدخنة” لقال أن الشر لا العقل هو القسمة الأكثر عدلاً بين البشر

سناك سوري _ أحد أبناء الحي الجنوبي

في الفيلم الشهير “الدمى الأكثر طلباً” (Muppets Most Wanted) وفي مشهد مؤثر (بالنسبة لي على الأقل)، يقف “كونستانتين” الضفدع الأكثر خطورة في العالم الهارب من أحد سجون “سيبيريا” ليقول بصوت شرير :«ليس من السهل أن تكون شريراً»، لتدوي من فمه بعد ذلك ضحكة شريرة ومقرقعة، ثم يمضي بعدها ليمارس شرّه بشكل طبيعي في انتحال شخصية الضفدع الطيب “كيرميت”.

و في بلادنا ضمن كل حي أو قرية أو مدينة ليس من الصعوبة أن يكون المرء شريراً، فالأمر يحتاج لبعض النباهة فقط، وأعتقد لو أن “ديكارت” لازال حيّاً ورأى “الحاج مدخنة” لقال أن الشر لا العقل هو القسمة الأكثر عدلاً بين البشر.
“مدخنة” هو “كونستانتين” الحي الذي أعيش فيه، جميع السكان هنا يعرفونه بهذا الاسم، بدوي مهترئ فوق الستين، متمرد ويرتدي على الدوام بشته القديم فوق شماخ تهدل عن رأسه، إذ يحبذ في كاريزمة خاصة له ترك طرفي شماخه حران للهواء، له روح رائقة وساحرة ولسان ينقط عسلاً حين يجلس معك للحديث في مصلحة، لذا فلا يغرنك حنكيه المنطبقان على الدوام و عيناه الصفراوان الغائرتان مثل فلتر سيجارة مطوي في مرمدة. وتحتهما نبت شاربان صدئان، كثان، أشعثان، أغبران، طويلان، باهتان، بشعان، متسربلان..، إنهما يمتلكان الكثير من التفاصيل، المهم أنهما تسللا إلى فمه دون أن يشعر بمضايقتهما أثناء كرعه اللبن.

سألت ذات مرة أحد ضحاياه سبب تسميته مدخنة، وأعتقد أني سألت الضحية الخبير، فأجابني وقد انفجر كالبارود ودون أن يهدأ: «لأن خراطيم أنفه اللعينة معدة لتصريف دخان سيجارته العادمة، لا لتهوية رئتيه من ثنائي أكسيد الكربون كما أي انسان طبيعي إنه جزار، إجلس معه لربع ساعة فقط وضع أمامه منفضة سجائر ستعرف كيف يكدس فلتراً وراء آخر في ثواني، إن أنفه المليء بالشعر لا يهدأ من نفث الدخان».

ذاع صيت الحاج “مدخنة” في البلدة بعد الحادثة الشهيرة في البلاد التي تمثلت بانهيار سد “زيزون” في منطقة الغاب بـ”حماة” شمال البلاد، حين علم بالخبر حمل خيمته وغادر منزله في “القنيطرة” إلى مكان الحادث، فالتنقل من مكان لآخر وانتهاز الفرص هو عدة النصب والاحتيال بالنسبة له (كما يقول خصومه).
وهناك نصب خيمته وراح ينوح ويلطّخ بالطين وجهه ورأسه أمام الوفد الحكومي ووسائل الإعلام التي زارت وغطت الحدث.
أجرت الإذاعة الرسمية لقاء معه فادعى باكياً أن مياه السد أخذت أولاده وزوجته ونعاجه، وما هي ساعات حتى تناقلت قصتة وسائل الإعلام و صار أيقونة البلاد وخطيئة الحكومة، وفي اليوم التالي حملت الأخبار عنوانها العريض “منكوب يغطي وجهه بالطين لحين أن تعوضه الحكومة بخسارته”.
في حين أن لا أحد يعلم أنه فعل ذلك كي لا يعرفه الناس إذا ما نظف وجهه من الوحل والطين، ومع ذلك عوضته الحكومة قبل أن تعلم باحتياله، وحتى بعد أن عرفت إنه أذكى من أن يقع في شباكها، أليست الحكومة من تقول لنا على الدوام أن القانون لا يحمي المغفلين.

اقرأ أيضاً: في هذا الشرق… بعض الظن إثم …شاهر جوهر

كنت شاهداً على إحدى حوادثه، فقبل مدة قمت مع أحد جيراني بزيارة الحاج “مدخنة” الذي رغب في تخليص مصلحة عالقة بينهما، إذ قام هذا الصديق بإيداع عجل بلدي لدى “مدخنة” وفق اتفاق مسبق بينهما، حيث يقضي الاتفاق أن يشتري جاري العجل من حرّ ماله وأن يقوم مدخنة بالاهتمام به ورعيه لحين أن يكبر وبعدها يقوم الإثنان باستعماله في التلقيح لقاء المال أو يتم بيعه وفق ما يتفقان عليه.

طوال الطريق كان جاري الذي يقود سيارته “الطوزوطو”، يضع موسيقى ريفية و يغني لمطرب شعبي في الحي أغنيته المحبوبة (إن رغبت سأورد الأغنية في الهامش وأفضل أن تسمعها بصوت مدير التحرير) و لأتحرر من صوته الرخيم سألته إن كان يعرف العنوان، فقال وهو يتراقص على أنغام أغنيته:
– لقد أعطاني مدخنة عنوانه الجديد، قال لي حين تبلغ التقاطع، سر مئتي متر، ستجد دكاناً صغيرة قام صاحبها بفك فمه وربط مكانه بمذياع، حين تراه ستعرفه من فورك فلا تسأله لأنك إن فعلت لن يتركك حتى يسرد لك كيف حبلت جدته بوالده، لذا ضعه هو ودكانه خلفك، بعدها سر عشرين متراً ستجد عجوزاً أدرد يجلس على كسرة طوب، ستجده على جانب الطريق الأيمن وينظر الى الشرق، تقع خيمة مدخنة في المكان الذي ينظر إليه ذلك العجوز.موقع سناك سوري.

من كلماته تلك عرفت أنه سيكون فريسة سهلة لذاك البندوق. حين وصلنا استقبلنا “مدخنة” بكرم واجد، قال الجار مكسور الخاطر:
– قال لي البعض أنك ذبحت العجل اليوم وتريد أن تأكله يا شريك
– كنت أعرف أن الأعداء سيفتنون بيننا يا شريكي، زوجتي تطهو الآن عجلاً على النار، وحماتك تحبك أنت ورفيقك.
فغر الجار بعصبية:
– يعني ذبحته كما قيل لي؟!
– لحظة، إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا
تركنا مدخنة لبرهة وعاد ويحمل بين يديه رأس عجل أملح، فسأل مدخنة شريكه:
– هل هذا هو عجلنا يا شريك؟
نظر الشريك في الرأس المقطوعة والمخضبة بالدماء:
– لا، فعجلنا لا بياض فيه، إنه أسود دامس
– الذي قال لك أني ذبحت عجلنا لربما تشابه عليه الأمر، ولا أريد القول أنه يريد الإيقاع بشراكتنا فلا أريد أن أسيء الظن، على كل حال إنها فرصة لتتناولوا معي الطعام اليوم. لقد اشتريت عجلاً منذ مدة ونذرت لذبحه.

شعر الجار بالإحراج، فاندفع يقبل رأس مدخنة معتذراً، وبعدها تناولنا الطعام، كان كريماً جداً وذو لسان حلو كالسكر في اهتمامه بنا، وحين عدنا وأنا طوال الطريق أفكر كيف لهذا الرجل الطيب أن يكون شريراً.
بالفعل مرت أيام فتبين أن مدخنة الطيب كان قد ذبح عجلين في ذاك النهار، الأول لشريكه والثاني لشريك آخر لا أعرفه، وحين ذهبنا إليه في ذاك اليوم حمل رأس العجل الآخر لشريكه الآخر وأخبرنا أنه العجل الذي ذبحه، وفي نفس الأسلوب كان يعرض رأس عجل جاري لشريك مدخنة الآخر ويقول له (هل هذا عجلك، هذا رأس العجل الذي ذبحته)، وحين يعلموا بالقصة و يطالبوه بثمن العجل يقول لهم لقد أكلناه سوياً، فيكسب القضية لأنه مؤمن بأنه القانون لا يحمي المغفلين.
* هذه القصة مزج بين الواقع وخيال الكاتب.

اقرأ أيضاً: نميمة على طريق المسجد… شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع