التنمية وبناء السلام – ناجي سعيد

ناجي سعيد

السلام يُعاش ليكون نهجاً يتبعه الإنسان

سناك سوري- ناجي سعيد

الجملة الأولى التي حفظتها حين بدأت عملي في مجال التنمية، هي مقولة:«بدل أن تُطعمني سمكة، علّمني كيف أصطاد». وهي تُعتبر من كلاسيكيات المعرفة بالعمل التنموي. فبعد أن تتعمّق وتطوّر خبرتك في هذا المجال تجد الكثير من المعارف العميقة في المجال التنموي.

وفي ربط هذه المعرفة بالمجال التنموي خطر ببالي السؤال: هل للسلام علاقة بمفهوم التنمية؟ وأنا الذي  أعمل الآن بجمعية تحت مظلّة بناء السلام، قد يكون بشكل غير مباشر أو غير مرئي. نعم فبناء السلام يحتاج إلى أسس متعدّدة، وأغلب الأحيان تربوية، فالسلام ليس هديّة تمنحها إحدى الدُول الكُبرى المُسيطرة إلى دولة مُستضعفة. بل إن السلام يُعاش ليكون نهج يتبعه الإنسان المواطن في وطنه. وهذا ما يجب أن يتربّى عليه كلّ طفل، كما يتربّى على حُبّ والديه، لا بُدّ من أن يتربّى على حُبّ السلام لوطنه.

اقرأ أيضاً: بين التفكير الغيبي والإيمان بمعتقدات غيبية_ناجي سعيد

ولكي يُشكّل هذا السلام أساسًا لبناء وطن متين لا بُدّ أن تُغذّيه مفاهيم عدّة، فديمومة السلام كمفهوم يبني الوطن، تحتاج إلى تنمية ومستدامة أيضًا. فالتنمية المُستدامة تُفضي إلى مقولة أخرى ذكرها  أحد الأكاديميين:«لا تعطني سمكة ولا تعلمني الصيد، بل علمني كيف أصنع الصنّارة».وقد ألهم تلاميذه بهذا المبدأ الذي أتّبعوه.

وبالتأكيد فإنّ التربية عملية تنموية، لأن مصطلح تربية في بلادنا يُلصق بمصطلح “تعليم”، والحقيقة بأنّ مفهوم التربية تحتضنه بيئات عديدة، والمدرسة هي بيئة من هذه البيئات. فما نفع التربية إذا إكتسب الطفل مفهومًا يعزّز بناء السلام وقوّضه البيت بالتعاون مع المجتمع؟ إن العملية متكاملة وتتطلّب تواصلاً ممنهجًا بين الأهل والمدرسة. فالأهل هم جزء من المجتمع كما المدرسة.

فالسلام ليس شهادة هندسة أو دكتوراة يُحصّلها الطفل من إلتزامه بالمدرسة، بل فلسفة عيش ينتهجها الإنسان منذ طفولته. وقد شاركت مرّة في مؤتمر نظّمته جمعية أعمل بها، فقدمت برنامج تربوي أعمل على تنفيذه، ومعلنًا عن يأسي من عالم الكبار، فأنا أضع كُلّ آمالي على الجيل الجديد، والتغيير يحدُث بالمجال التربوي. لذا أعمل مع فريق على نتاج مواد أنشطة وتمارين، يكتسب منها الأطفال معلومات ومفاهيم تُغني عن قراءة كُتب ونظريّات حول بناء السلام.

اقرأ أيضاً: التربية وبناء السلام _ناجي سعيد

نعم فالسلام عملية ترتكز على إكتساب الناس الأساليب أو الوسائل التي تحترم الإنسان، وهذا يؤكّد مقولة بأن الغاية لا تُبرّر الوسيلة فكما يقول غاندي : الغاية هي الشجرة، والوسيلة هي البذرة، إنّ الغاية موجودةٌ في الوسيلة كما أنّ الشجرة موجودةٌ في البذرة. وهذه تمامًا يذهب بنا إلى بناء متماسك ذي أُسس متينة لا تجعل من السلام مفهوم ورقي يصلُح كشعار يُستعمل في خطابات رنّانة تُستخدم لمآرب وأشياء مُغرضة.

ويُمكنني أن أُشير إلى مواضيع مختلفة تنقصها مناهجنا في نظامنا التربوي، فبدل أن يحفظ الطالب بأن الأرض كُرويّة والشمس تُشرق من الشرق وتغرب من الغرب، لا بُدّ أن يتعلّم بأن يُلقي التحية على قوم جالسين ولا يعرفهم حين يمرّ بهم. وكي لا يشعر القارئ باستسخاف المثل، فمواضيع الدورات التدريبية التي نُعطيها للناشطين لينقلوها إلى الأطفال، هي إدارة المشاعر بعد أن يتعرّف على أنواع المشاعر. وفصل الحاجات عن الرغبات مع كيفيّة التعبير عنها. وألفباء المعرفة التربوية هي معرفة أقسام الذات وتقديرها، ومعرفة الآخر وإحترامه. وهذه هي المعدّات اللازمة لصنع الصنّارة ومن ثمّ اصطياد سمكة السلام بعد أن وضعت بيوضها لتحافظ على استدامة وتنمية السلام.

اقرأ أيضاً: العنف في تربية الأطفال- ناجي سعيد

 

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع