التعاطف والإنسانية في الأزمات- ناجي سعيد

ناجي سعيد

يقول لي بعض الناس: “جوعان ما بيأوي جوعان”.. ويردّ المثل الشعبي: بيت الضيق بيساع ألف صديق

سناك سوري- ناجي سعيد

من الطبيعي أن تتعاطف المخلوقات مع أبناء جنسها، فلا يمكن أن نجد حيوانًا متوحّشًا يفترس حيوانًا من سلالته. ويضيق التعاطف عند الأسماك، حيث يقتصر التعاطف على الأسماك ذات الحجم الواحد. فالسمكة الكبيرة تأكل الصغيرة، ولا أجزم إن كانت تتعاطف مع أبناء حجمها. لكنّ الموضوع يختلف تمامًا مع البشر.

وحتّى لو أبحرنا عميقًا في كهوف التاريخ فلا أستبعد أن يتشارك البشر في إلتهام الحيوانات التي يصطادونها سويًّا، والتشارك هو باب من أبواب التعاطف، فمن الطبيعي أن يكون متعاطفًا من يتشارك الحاجات الأساسية مع غيره. فمن العادات والتقاليد بين الجيران في مجتمعنا الحالي، أن تُرسل الأم (وخاصّةً في شهر رمضان) صحنًا من “الطبخة اليومية لبيت الجيران” ليتذوّقوا طعامها، وبالتأكيد، يردّ الجيران صحنًا آخر من نتاجهم ليتبادلوا الطعام، وهذا التعاطف فطري لدى البشر. ولا يمُكننا أن نفترض بأن الشرّ هو طبيعي، فالشرّ هو سلوك مرضي وبالتالي خارج عن المألوف الطبيعي.

اقرأ أيضاً: التربية وبناء السلام _ناجي سعيد

ويقول الفيلسوف الفرنسي جان ماري مولر في كتابه “نزع سلاح الآلهة” بأن الله محبّة، وهذا يُفضي بنا بأن المحبة هي خير للبشرية، فلا يمكن للخالق أن يضمُر شرًّا لمخلوقاته الأرضية. وليس مطلوبًا بأن نبحث في الشر الآنّ، لكنّ الحقيقة الثابتة بأنه سلوك مرضي.

وتبدأ القصّة بالمثال التاريخ في بداية البشرية، كيف قتل قابيل أخاه بدافع الغيرة. وفعل الشرّ هذا وحتى لو ليس هناك أدلّة ملموسة على حادثة القتل، من الضحيّة ومن المجرم؟ فالأسطورة تحمل إلتباسًا في تفسير السبب والدافعية لإرتكاب الجريمة. لكن الجريمة التاريخيّة هذه، لا بدّ من فهمها انطلاقًا من عدم تشكيكنا بالإرادة الطيبة للخالق. فلو سلّمنا جدلاً بأن هذه الأسطورة شرًا لا بدّ أن نتعلّم منه الخير. فلو كان سبب القتل الغيرة، نستخلص الدرس بأن نبتعد عن الغيرة، وهذا يعود للطبيعة الخيّرة للبشر التي نراها في التعاطف بين الناس عند الأزمات، فعلى الرغم من الأزمة الإقتصادية المعيشيّة التي نعاصرها الآن، نلاحظ تعاطفًا إنسانيًا -وبدون فلسفة- نجزم بأن هذا موروث إجتماعي تناقلته الأجيال، فقد ولّى زمن الكهوف والغابات. عندما دخلت الحضارة على البشرية، أي نعم تجسّدت بالواجهة العمرانية، فنرى تحسّنًا تدريجيًا في طبيعة المساكن، التي تطوّرت من الكهف إلى الخيمة إلى أكواخ القش والخشب إلى بيوت الطين.. إلى العمارات والمباني وناطحات السحاب. وهذه الرحلة العمرانية لم تعطّل أبدًا التعاطف بين البشر.

ولن نُغمض أعيننا عن حالات الناس المعيشية وتحديدًا الفقراء، وأن أجزم بأن الفقر لم يكن حجّةً لوقف التعاطف والمساعدة بين الناس. يقول لي بعض الناس: “جوعان ما بيأوي جوعان”. ويردّ المثل الشعبي: بيت الضيق بيساع ألف صديق. نعم فالموروث الشعبي الإجتماعي يتخطّى النظريات.

اقرأ أيضاً: اللاعنف ومستقبل الإنسان- ناجي سعيد

وقد أثبتت التجارب من الواقع، وتحديدًا عن الحروب والأزمات المعيشية، بأن العديد من الحملات التضامنية والتعاطفية أنشأت ومنها ما زال حتى الآن، لتساعد الناس فتضمن التكافل والتضامن الإجتماعي الذي يوضح التعاطف الإنساني النقي الذي يضرب بعرض الحائط كل الإعتبارات التقسيمية، فالخير للجميع ولا يستثني أحد. والظروف القاسية لا تمنع إنساناً من التعاطف لمساعدة أخيه الإنسان، طالما هو مُستند على وسادة محشوّة بريش الإيمان، مهما كان المُعتقد الذي يؤمن به، فالإيمان هو حاجة بشرية تمدّ الإنسان بطاقة تنتج التعاطف والمساعدة للآخرين. وما خطَر ببالي عندما فكّرت بالتعاطف بين الناس، بأن التضامن وعدم التفرقة بين الناس هما أساس التعاطف الذي يضع الناس في مسار اللاعنف الصحيح. وأذكر مطلع قصيدة بالعاميّة كتبها والدي في الستّينيات مخاطبًا فيها العامل والمزارع الكادح:
“مدّ إيدك سلّم عليّي
خشنين ديّاتك متل إيديّي
وبحيثهن عن بعض مفترقين
عملوا فينا هيك يا خيّي”..

اقرأ أيضاً: كيف يخطئ الإنسان استخدام مشاعره؟ _ ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع