التطرف ورد الفعل العنفي- ناجي سعيد

ناجي سعيد

التطرّف حالة تصيب الإنسان.. ولا يُدرك بأن تفكيره وقراره ليس سوى أسير الماضي

سناك سوري- ناجي سعيد

أذكر تمامًا القصة التي رواها لنا الدكتور أثناء مادّة علم نفس الاختيارية، التي كنت قد اخترتها لولعي بهذا المجال، على الرغم من دخولي قسم الفلسفة في الجامعة. والقصة تحكي كيف أجرى أحد علماء النفس في بداية اكتشاف النظريات التربوية، تجربةً على طفل، بأن وضعه في غرفة وأعطاه دمية من فرو “دبدوب”، وعندما يحاول الطفل لمس اللعبة، يُطفئ النور، ويضرب على طبلٍ مُحدثًا صوتًا مرعبًا. فتكون النتيجة عندما يكبر الطفل تصيبه “عقدةٌ نفسيةٌ” من كل ما هو ناعم كالفرو، وكل ضجة تُحدث رعبًا بداخله.

والآن في ظل الأحداث الإجرامية الإرهابية التي تحدث في العالم، لا أعتقد أنها نابعة من عداء أيديولوجي لهذه الفئة المنبوذة ضد دولة أوروبيّة مدنية وتدّعي العلمانية. فالعلمانية بإختصار هي فصل الدين عن الدولة، وليس إلغاء أحدهما للآخر.

والمشكلة أن في مسار النزاع القائم بين مجموعتين عادةً، هي أن ينشقّ أفراد يختلفوا مع جماعتهم وذلك بسبب نسبة العنف الذين يريدون رفعها، وحين ترفض جماعتهم يلجأون إلى إنشاء مجموعات متطرّفة. فالمشكلة تبدأ من عند الأفراد، فالمستوى الفردي فاقد الرحمة على الآخرين. فحين يكثر طبّاخو العنف “تشوط” طبخة العنف. وهذا حقيقي، فالفرد يرتكب التطرّف في حياته، سواء كان مُبدعًا/ فنّانًا/ شاعرًا/ رسّامًا.. أو بدون تشبيه “مجرم” إرهابي.

اقرأ أيضاً: الذنب المزدوج في الرد على رسوم شارلي إيبدو _ناجي سعيد

فالتطرّف حالة تصيب الإنسان ويعتقد بأنه خيار حرّ وصريح. لا يُدرك بأن تفكيره وقراره ليس سوى أسير الماضي الذي سيطر على قلبه وعواطفه ومشاعره. وما لا يعرفه بأن العقل لو يعمل بشكل سليم لرفض كل ما هو عنف إلغائي للآخر.

وليس هذا مجرّد كلام مرصوف بشكل جميل. لكن المشكلة علميًّا يمكن أن نتخيّلها. لكلّ “فعل” عند الإنسان (طرف)، ردّ فعل عند الطرف الآخر، ولو صوّرنا الفعل حائطًا، سيكون ردّ الفعل حائط آخر ملاصق تمامًا له. والمنطقة “الممعوسة” بينها تُدعى في علم النفس منطقة الإدراك.

والإدراك وظيفة دماغيّة يقوم بها الإنسان لتساعده على التفكير قبل “ردّ الفعل” العنفي في غالب الأحيان، لينتج هذا التفكير فعلاً مقابل الفعل الأول، ويكون فعل عقلاني بعيد عن ردود الفعل الإنفعالية المُدمّرة للآخر والذات طبعًا.

ولو أردنا الحديث عن الدين الإسلامي، فلابدّ لنا أن نعترف بأن شأنه كشأن أي فكر ومُعتقد يعاني مساره التاريخي من تعدّد وجهات النظر التفسيرية له. ولست مُستخفًّا في هذا الشأن بل ببساطة، أن سرّ الدواء هو في الداء. فهناك الكثير من الأحاديث التي أوصى بها الرسول تُحارب التطرّف والإلغاء. فديننا يُسر، ولا إكراه في الدين، والدين معاملة، ولا تُهدي من أحببت فالله يُهدي من يشاء.. ألا تكفي هذه الأحاديث لتفصح عن مضمون يعكس خيرًا وسلامًا ومحبّة؟ وقد كان الرسول قبل أن يباشر غزواته، يُوفد رسولاً إلى القبيلة المعادية ليقرئهم السلام، قبل أن يأخذ قرار الحرب.

اقرأ أيضاً: ثقافة الاختلاف والخطوط الحمراء_ ناجي سعيد

فهل من المعقول بأن فكر وأخلاق الرسول ينتج إمتدادها في عصرنا عنفًا وإرهابًا وذبحًا لمن هو مختلف؟ أي نعم من غير المقبول إنسانيًا أن تنشر دولة مدنية تحترم الإختلاف، رسومات تسيء للنبي، لكن هل من المعقول أن تكون ردّة فعل فردية من مريض مُتطرّف، عنيفة إلغائية لتبني جدارًا يغلق بوجه العالم أن يتعرّفوا بدينٍ هو من إحدى الرسائل السماوية.

أليس مريضًا نفسيًا ومتطرّفًا من ارتكب جريمة الذبح؟ ومن وكّله بالدفاع عن معتقد ديني بغنىً عن دماءٍ تُلطّخ سمعته. من ينتزع دمية أو كرة من أخيه أو أخته في الصِغر قد يزرع عندهم نزعة لإسترداد الغرض بطريقة عنيفة إلغائية، ولو عجز عن استرداد الغرض يكبر بداخله تعصّبًا، والتعصّب يقال عنه أعمى، لأنه يُعمي مناطق أخرى في الدماغ كالتعاطف والتراحم والتسامح، ويُوهمنا التعصّب بأن كل هذه القيم هي من أبناء القلب فيقول الناس عن المجرم بأن قلبه ميّت وبلا رحمة أو شفقة.

مع العلم والذي يغيب عن كثيرين بأن العقل هو من يجب أن يُقرّر الموقف والقلب “يُحبّب” الإنسان بهذا القرار المُتّخذ، فتصبح المواقف عقلانية، فالعاطفة سكينٌ يمكن أن نذبح به ويمكننا أيضًا- وهذه أمنيتي علّها تتحقّق – أن نقطّع بها تفاحة لنأكلها..فندخل الجنّة.

اقرأ أيضاً: اللاعنف ومستقبل الإنسان- ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع