الرئيسيةرأي وتحليل

التشبث بالرأي – ناجي سعيد

إلغاء التشبث بالرأي ينبع من مرحلة الطفولة بالتعاون بين المدرسة والمنزل

“تنتهي الجلسة ولا ينتهي النقاش”، هي القاعدة القديمة التي مايزال السياسيون ينتهجونها، ولو تعمّقنا في معنى هذه القاعدة، فالاستنتاج من عدم. نهاية النقاش في حدود وقت الجلسة، سببه غياب الإقتناع أو الإقناع القائم أساسًا على التشبّث بالرأي، حتى لو كان خاطئا.

سناك سوري-ناجي سعيد

التشبّث بالرأي عند جاليلو جاليلي كشف حقيقة علميّة غيّرت العالم، فاشتهرت جملته في وجه محاكم التفتيش وهم يقودونه للمشنقة: “إنّها تدور رغمًا عن أنوفهم”!.

ومشكلة التشبّث بالرأي تنبع من منحى عاطفي، وهذا عمل القلب. فبدايةً يقنع العقل برأيٍ ما، ثمّ يعمل القلب بعاطفة ليجعل المرء يُحبّ رأيه، فيتمسّك به. فصعوبة التغيير التي تناولناها في المقالة السابقة، تبدأ من اتّباع توازن بين العقل والقلب. لذا يبدأ التغيير حين نتقبّل ونعترف بالخطأ، فجلّ من لا يُخطئ! وقد ساهمت نظريّات التواصل اللاعنفي وتحويل النزاع، بتقديم تقنيّات تساعد الناس لفهم الطرف الآخر أثناء التواصل معه، على قاعدة: ” ضع نفسك مكاني” ((Put yourself in my shoes.

ومن الطبيعي حين يضع الشخص المُتشبّث برأيه مكان الآخر، فإن عقله يعمل ليفهم الآخر، وبالتالي يُحلّل خطأه، ليفهم وجهة نظر الآخر. وفي علم النفس تُدعى الحالة: أخطاء شائعة. فلا أحد ولو كان ساحرًا يستطيع إقناع “جدّة صديقي” المؤمنة التقيّة التي لا تتأخّر في أداء فروضها، بأن المقولة المُتداولة التي تقال للعنيد برأيه: “تيّس عبدك يا ربّي”، فهي تقولها بشكل خاطئ يُوقعها بالشِرك: “تيّس ربّك يا عبدي”!!!! فالمرحلة العمريّة لها الثقل الأكبر في تكوين المعرفة، حيث يُعتبر الأهل هم المرجع الأساسي بتكوين المعرفة بالنسبة للطفل.

مقالات ذات صلة
اقرأ أيضاً: توازن العقل والقلب للوصول إلى عالم لاعنفي – ناجي سعيد

ففي علم النفس تُعتبر المرحلة العمريّة من صفر إلى سنتين هي مرحلة تشكيل منطقة اللاوعي في عقل الإنسان. ينقصه في هذه المرحلة عدم اكتمال جهاز النطق للتعبير عن المعرفة عنده. ويعتقد الأهل بأن الطفل الصغير “ما بيفهم”! فالإعتقاد الخاطئ عند الأهل، بأن طفلهم لا يفهم، تجعله يعاند ليتمسّك بأراء يستقيها من مراجع منطقيّة غير الأهل، كالأصدقاء والأساتذة في مدرسة الطفولة وجامعة الشباب.

المشكلة تكمن في عدم معرفة وعدم اقتناع الناس بأنّ التعلّم رحلة ذاتيّة لا تنتهي مع فصول العمر، فحين بلغ ليوناردو دافنشي، الرسّام الشهير، الثمانين من العمر سُئل: ماذا تعلّمت من تجربتك في الرسم؟ فقال: الآن بدأتُ أتعلّم.

ما أريد قوله، بأن العقل عمله مُعقّد، ففي اللحظة التي يتلقّى الإنسان معلومة، يستقبل الدماغ، آلاف بل مليون عُصبة، يختار الدماغ ما يحلو له –عاطفيًّا- ويرفض ما يريد. وهذه العمليّة العاطفيّة تغذّي التعصّب والتعنت و التشبث بالرأي مع رفض الرأي المخالف.

ويمكن مواجهة هذا التشبّث، من خلال العمليّة التربويّة بأمرين: أوّلاً: أن تتّبع المدارس عمليّة “تعلّم” ذاتي، وليس “تعليم” على وزن “تلقين”، فتُخلق مساحة تشاركية للأدمغة. وثانيًا: أن تتوافق بيئة المدرسة مع بيئة الأهل، لتنسجم المعلومات ليتمّ التنسيق بين البيئتين فنحافظ على دماغ طفل سويّ، يعمل بطريقة علميّة فيستطيع الطفل بعقله تبرير الخطأ وإدراك الصواب، فلا يغرق بين الضفّتين. فحين تعطّلت سيارة “الحاج أبو محمود” عند مفترق قرية “الدوير”، وأصلحها الميكانيكي، واتّضح بأن العطل من “قشاط المروحة”. وصادف في اليوم التالي أن أخبره صديقه: لقد تعطّلت سيارتي عند مفترق قرية “الدوير”، فبادره الحاج فورًا: أكيد من قشاط المروحة!!!.

اقرأ أيضاً: الخوف من التغيير – ناجي سعيد 

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

زر الذهاب إلى الأعلى