التسامح الشعبي مع العنف _ أيهم محمود

أيهم محمود

هل توقفت الأمهات السوريات عن وصف أولادهن الذين يخرقن قواعد وآداب الانتظار بأنهم: “شاطرين وما بينخاف عليهم؟!

سناك سوري_ أيهم محمود

هل حادثة رمي مسن على الأرض أمام الفرن استثناء؟ هل هي حقاً حدث مرفوض اجتماعياً؟ أم أن هذا الرفض الذي أظهره جمهور الفيسبوك أولاً ثم انتقل إلى بعض المواقع الإعلامية تالياً، طفل حديث الولادة لمجتمع فهم أخيراً الضريبة الباهظة للتسامح مع الفساد الشعبي الذي كان قبل سنوات أمراً يثير الإعجاب الضمني ويثير حسد الأقارب والزوجات!؟.

يحاجج الفرقاء السياسيون في الفساد وأسبابه وكل منهم يُلقي اللوم على الآخر المختلف عنه في محاولةٍ للتنصل من المسؤولية وعدم تحمل كل طرف نصيبه من الملامة عن الواقع اليومي الذي نعيش فصوله الكارثية يوماً وراء يوم.

اقرأ أيضاً: ليرة ذهبية أمامك.. هل تمد يدك لتلتقطها؟_ أيهم محمود

هل توقفت الأمهات السوريات عن وصف أولادهن الذين يخرقن قواعد وآداب الانتظار بأنهم: “شاطرين وما بينخاف عليهم!” أم أن هذا الوصف وهذا الافتخار بخرق أولادهن للقانون وللعرف العام مازال سائداً في كل أنحاء سوريا.

هل يتكلم الناس في المجتمع عن الذين يخرقون كل قاعدة وكل عرف وكل قانون بازدراء أم باحترام لهم وإعجاب بسلوكهم؟.

يستطيع المجتمع عبر قنواته الرسمية أو المدنية تهشيم أي صاحب رأي ينتقد العلاقات السائدة فيه، يتبارى الجميع في تشويه صورته أو حتى تشويه جسده لكن المجتمع برمته يتسامح مع العنف تجاه المسحوقين وتجاه الأطفال وتجاه الكبار في العمر وتجاه النساء، القضية قبل أن تكون قضية قوانين هي قضية مجتمع بأكمله يقبل ثقافة العنف ويتسامح معها بينما يستنفر كل قواه وكل ردعه في مواجهة  كلمة أو رأي، لا توجد طبقات سياسية أو دينية أو اقتصادية منفصلة عن رحم العلاقات الداخلية السائدة في أي مجتمع، الجميع هنا يبحث عن مشجب لتعليق الآثام عليه والتخلص من عبئها فوق الأجساد والأرواح.

اقرأ أيضاً: أمام الطوابير.. أقترفُ جريمة الأمل _ أيهم محمود

يستطيع المجتمع سماع تغريده رقمية ومعاقبة صاحبها فهذه هيبة أعرافه وهيبة أديانه وهيبة حكومته لكن ذات القوة والعنف مع أصحاب الرأي المخالف تتحول إلى حالة تسامح وتعامل رخو مع من يخرق كل القوانين الأخلاقية في صف انتظارٍ عام على سبيل المثال.

على الفرن وقف طابور طويل من العسكريين والمدنيين وجرحى الحرب، كان عدد الذين يخرقون القانون قليل جداً مقارنةً بالملتزمين بالأخلاق والأعراف العامة لكن لا يوجد رد حاسم موجه للمعتدين على النظام العام يردعهم ويمنعهم من تكرار أفعالهم هذه، في هذا الزحام حاولت امتصاص مشاجرة بين حدثين لا يتجاوز عمر أكبرهما أربعة عشر عاماً، قلت للمعتدي توقف قد تدخل السجن، نظر إلي وقال: “لا لن أدخل! … سأدفع وأخرج ولن أُسجن”، كنت أود أن أقول له أنت كاذب، أو مخطئ، كنت أود لو كنت البطل الذي ينقذ هذا الطفل من قاع المفاهيم الخاطئة، أردت أن أنظر في عينيه وأقول: “أنت مخطئ في قناعاتك هذه”، كدت أفعل ذلك لكن خفت أن أكون في فعلي هذا كاذباً أمامه وأمام نفسي، هل حقاً من يخرق الدور ويفتعل المشاجرات يُسجن؟ أم يُسجن من يكتب عن مثل هذه الأمور وخاصة إن كان المكتوب بحقه من كبار المخترقين لآداب التعامل في المجتمعات؟.

أترك هذا السؤال الأخير لخبرات القرّاء ومشاهداتهم اليومية.

اقرأ أيضاً: حروب الطاعة والتمرد_ أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع