التربية وبناء السلام – ناجي سعيد

ناجي سعيد

كلّ طفل هو مدماك أساس لبناء السلام..” أَحبّوا أطفالكم لا ينفع الندم”.

سناك سوري- ناجي سعيد

لحساب عمق الحفر لأساسات عمارة سكنية (أرضي + 4 أدوار) بطريقة تقريبية نقوم بالعمليات الحسابية الأتية:
• بفرض أن مساحة العمارة 600 م2
• كمية الخرسانة لأربع أدوار = مساحة العمارة x عدد الأدوار: 720 م3
• كمية الخرسانة الاجمالية = 312 + 720 = 1032 م3
• وزن الأحمال الكلية = كمية الخرسانة الإجمالية x كثافة الخرسانة = 2.5 طن
• عمق الحفر = وزن الأحمال الكلية / (مساحة البناء x كثافة التربة)
• كثافة التربة = 1.5 طن / م2
تشبه هذه الكتابة أعلاه بالنسبة لي، كتابة هيروغليفية . فعلى الرغم من حبّي لمادة الرياضيات أيام الدراسة، لكنّي لا أفقه أبدا بالأمور الهندسية، وأشعر أنّ هذه الكتابة كالمصطلحات الصينية. فبعد دراستي بمعهد الفنون الجميلة، في الجامعة اللبنانية، درست “الفلسفة” في كليّة الآداب (وأيضًا في الجامعة اللبنانية) لكنّ عشقي للمواضيع التربوية دفعني للتعمّق بالتربية. وأيقنتُ تمامًا أن التربية مفهوم مُختلف عن التعليم.

نعم فالتربية تحمل قيمًا نوعيّة ولا تحمل معاييرًا كمّية. ففي التعليم يتدافع بعض الناس لبذل المجهود وبشكل حثيث من أجل الحصول على كميّة شهادات يفتخر بها أمام الآخرين. وغالبًا ما تعمي هذه الشهادات بصر حاملها، حيث يتباهى باللقب التي تغدق به الشهادات عليه.

اقرأ أيضاً: العنف البصري _ناجي سعيد

وأعرف الكثيرين ممّن يتمسّكون بإضافة لقب قبل اسمهم الحقيقي الذي وُلد معهم. ويرفضون حتّى بشكل شفهي أن يُناديهم أحدًا بدون البدء بـ: أستاذ، دكتور.. وأنا لا أفهم هذا التمسّك باللقب من منظار حاجة الشخص إلى التقدير، فمن يرفض أن يُنادى باسمه عاريًا من الألقاب، فأنا على يقين من أنّه يعاني نوعًا من الغرور الذي قد يصل بعض الأحيان إلى جنون العظمة. وبمعنى أبسط فهو كذب من نوعٍ آخر. إنه تكاذبٌ يغذّي ثقافة المجاملة التي تُبعد الإنسان عن التواصل الحقيقي مع الآخرين والذي يُسمّيه المتخصّصون “تواصلاً لا عنفيًّا”.

وهذا التواصل هو مدماك أساسي من مداميك التربية، ومصطلح “تربية” يحمل في طيّاته الكثير من المعاني التي لو جمّعناها وتبعناها لساهمنا فعلاً في رسم المسار الذي يُعتبر طريقًا حقيقيًّا لبناء السلام. نعم فالسلام مفهوم سهلٌ تداوله شفاهيًّا ونظريًّا، لكنّ سهولته يجب أن لا تكون في متناول الشعارات السياسية الزائفة والمُستغلّة. ولو لم يكن هناك مفهومٌ حقيقيٌ للسلام وهو غير مرئي، لوجدت الناس نوعين: نوعٌ يتغنّى بالسلام كشعارٍ يسهل استغلاله للحصول على ما يريد، ونوعٌ آخر يتغنّى بالسلام وهو عاجز عن تطبيقه عمليًّا.

اقرأ أيضاً: العنف في تربية الأطفال- ناجي سعيد

إن ما أطرحه ليس دواءًا سحريًّا، بل تفسيرًا حقيقيًّا للمصطلح “سلام”. فبناء السلام، كما ذكرت سابقًا، كأي بناء يحتاج إلى حُفرٍ كأساس، ومن ثم جدرانًا تعطي شكلًا وحمايةً لهذا البناء. كيف لا وكل الأنظمة والدُول ومنظّمات العمل غير الحكومي تتداول مصطلحًا وتبني المشاريع على هذا الأساس: “بناء السلام”.

بناء السلام يحتاج موادّ مُغايرة لبناء العمارة، فالعمارة تخضع لمعايير كمّية، يُقاس بدقّة حجم الكميّات التي لو نَقُصَ منها شيئًا لتسبّب هذا في كارثة حقيقية، فمنذُ ولادة أي طفل تبدأ رحلة بناء السلام، نعم وهذا ليس هذيانًا، فمعروفٌ علميًّا بأن الطفل ومن عمر صفر إلى سنتين يتشكّل في دماغه منطقة اللاوعي. حيث يقول الفيلسوف أفلاطون ومن يتبعه، بأن الإنسان يكون في طفولته ورقة بيضاء، فيبدأ المحيط بالكتابة عليها. وأعتقد بأنّ مشكلة العنف تظهر عنده حين يُعنَّف الطفل تربويًّا “فيخربش” المحيط بطريقة قاسية على دماغ الطفل البريء. وبالدقّة نفسها والحسابات الهندسية نفسها والمعقّدة نوعًا ما، تخضع خطوات مسار بناء السلام للصعوبات نفسها التي تُعتمد في بناء عمارة كبيرة. لكن الفارق هو أن البناء الإنساني أشدّ ضررًا إذا تعرّض لحسابات خاطئة. فالمبنى الذي ينهار أي نعم يُزهق أرواحًا بريئة، وهذا جدًّا مؤسف، لكنّ البناء الإنساني حين يحدث خللاً ما فالخلل يهدّد أجيال ويبقى الدمار البشري مُستدام. لذا نقول بأن بناء السلام يجب أن يكون مستدامًا. بناء السلام المستدام يبدأ من تربية الأطفال، وفي حال فقدان الأمان عند الطفل وتدارك الأهل خطأهم التربوي، يكون التعامل البديل لتصحيح الخطأ بإعطائه عاطفة وتعاطف ليعالج نتائج التعنيف.

بناء السلام أساسه تربية الأطفال. فكلّ طفل هو مدماك أساس لبناء السلام..” أَحبّوا أطفالكم لا ينفع الندم”.

اقرأ أيضاً: التغريد بعيداً عن منطق التربية _ ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع