التربية… والمُربي – ناجي سعيد

هل تترك “حنفيّة” تتسرّب منها الماء دون أن تكترث؟ هل تطفئ أنوار الغرفة حين تخرج منها ؟

سناك سوري – ناجي سعيد

قد تواجه أي إنسان، مهتمّ بالتوازن في شخصيّته بين المبادئ التي يمارسها والقيم التي يؤمن بها “معضلات”، فقد تلقّيت تدريباً منذ حوالي العشر سنوات، أوضحت لنا المدرّبة (وهي أخصّائية نفس-إجتماعية) بأن المبدأ هو السلوك الذي يترجم القيمة التي نؤمن بها. وفورًا خطر ببالي، الإختبار الذي خضعت له قبل خوضي غمار العمل الإنساني: هل تترك “حنفيّة” تتسرّب منها الماء دون أن تكترث؟ هل تطفئ أنوار الغرفة حين تخرج منها ؟ نعم فالأجوبة على هذه الأسئلة تشير إلى مستوى القيم التي تؤمن بها، إن كانت مترجمة إلى مبادئ تطبيقية.
قبل سنوات عملت في السعودية وأذكر زملاء لي في المدرسة التي عملت بها ، كنّا نذهب في عطلة نهاية الأسبوع إلى أحد مطاعم الوجبات السريعة. وكان العرض اسمه (all you can eat) فالزبون يملأ طبقه قطعًا من الدجاج وصحنًا من السلطة، وكلّ ما فرغ الصحن يعيد الكرّة إلى أن يشبع.. ولكنّ أحد أصدقائي كان يملأ صحنه بطريقة غير معقولة، وغالبًا كانت سلّة المهملات نهاية فضلات طعامه (الذي يُطعم عائلة مكوّنة من أربعة أشخاص).
نعم لا أبالغ في حديثي، لكن من يهتمّ بذلك؟ فلو وضعنا هذا العملية بميزان تربوي لوصلنا إلى نتيجة واضحة: تفكيري بالطعام الزائد الذي يكفي عائلة، ليس عمليّة حسابية ولا مهارة رياضية أو معلومة تحتاج معرفة ما، فمن تحدّثت عنه مُدرّس لغة أجنبية، وكذلك الآخرين هم مدرّسون ومن الطاقم التعليمي للمدرسة الشهيرة بعلمها، لكن هل من أحدٍ التفت إلى هذه المسألة؟ أو فكر بسلوكيات المدرسين وبخلفية ما يفعلونه ومدى تنافيه مع مبادئ التربية، خصوصاً وأن سلوك هؤلاء المدرسين كان ينعكس على الطلبة وهم من “أبناء الأثرياء جداً” الذين يتعلمون من مدرسيهم، “بالطبع ليس هدفي تقديم مواعظ اشتراكية عن التفكير بالفقراء”.
هنا يحضر سؤال عن زملائي المدرسين…هل تلقّوا تربية قِيميّة في بيوتهم ومع أُسرهِهم منذ الطفولة؟ هل يطمح أحدهم تعديل سلوك الطلاب اللامبالين؟ ليس بالضرورة تعديله، بل الحفاظ على قيمهم التي تربّوا عليها إنسانيًّا وعلى اختلاف مشاربهم. فالإنسان بطبيعته ميّال إلى التعلّم من تجاربه.
بحسب مفكرّي وفلاسفة اللاعنف، طبيعة الإنسان خيّرة، وهذا ما يميل بالتأكيد إلى تجنّب الأخطاء حين تكون التجربة سلبية، فيتعلّم الإنسان بشكل إيجابي، بأن يتجنّب الوقوع في الخطأ والشرّ عند التجربة التالية، وكما تدعو الأديان: أحبّ لأخيك ما تحبّ لنفسك.,وما استغربته بيني وبين نفسي حينها بالطبع، كيف يلتزم الإنسان بقشور الدين من ناحية تركيزه على الصورة التي يُحب الناس أن يرونه بها، مؤمن، تقيّ، ورع.. وكلّ الصفات الإيجابية التي من المفترض أن يتحلّى بها المؤمن، ويهمل من ناحية أخرى سلوك مهمّ فيه مصلحة لأخيه الإنسان.
وهذا ما وصّى به الرسول الأكرم في أحاديثه التي تتناول سلوكيات الناس الإيجابية. فأجد أمامي من يُلمّع صورته إلى الخارج، وعند أقرب مساحة يشعر فيها بالأمان، تتفلّت منه قيمه وأخلاقه ويشرع بممارسة سلوك الأذيّة لما أسمّيه مساحة عامة. نعم فالطعام مساحة عامة عندما تشتري فوق حاجتك، وقد ورد حديثًا عن النبيّ : عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ». وهذا الحديث يصوّب اهتمام الدين بسلوك البشر. وكيف ينمو الإنسان مع سلوك إيجابي إذا ترعرع في بيئة غير حاضنة تربويًا. فالقول المأثور الذي يشكّل اللبنة في تأسيس وتكريس العنف عند الناس هي جملة الأمهات عند اصطحاب ابنهم/ابنتهم في اليوم الأول للمدرسة: “ماما اللي بيضربَك/بِك ضربو/بيها”. يعتقد الأهل أن حماية الطفل تبدأ من تخويفه من الآخر. وهذا ما يُنتج مجتمع مليء بالكراهية والعدوان والشرّ. والطامّة الكبرى أن يغرق العاملون في المجال التربوي بهذه الحفر، التي تستمرّ في إنتاج جيل عنيف يُنتج بدوره جيلاً تعسّفيًا.. وهكذا تستمرّ دوّامة العنف.
فمن السهل جدًّا على أي ناشط أن يُعلن إيمانه بقيمة الصدق والتعاون مثلاً، لكنّ قد يكون صعبًا عليه أن يعيشه، فهناك الكثير من الأسباب التي قد يدخل بعضها المجال النفسي الذي لا يساعد على اعتماد الناشط القيم المطلوبة.

اقرأ أيضاً من قال إن القناعة كنز لايفنى؟- ناجي سعيد

بالعودة إلى التربية وهي الجوهر فقد رباني أبي على القيم من خلال سرد قصص عن سلوك حدث معه خلال صباه. وأذكر قصّة أبي الذي لم يتعلم في مدرسة نظامية، حيث لم تساعده ظروف فقرٍ عاشها في طفولته الذي قضاها يساعد أباه في “الفرن”، فقد دخل مدرسة لمحو الأميّة، وكان مُدرّسه مذيع برنامج اليانصيب الوطني الذي كنّا نشاهده على التلفاز وكان يبتاع ورقة اليانصيب ليشاهد “شفيق جدايل” ويذكّرنا دائمًا بأنّه معلمّه القراءة.
والقصة التي كان يفتخر بها أبي كانت مصحوبة بـ” ردّة” (شعر زجل، وهي موهبة أبي) عندما كان عند الحلاّق، الذي أراد أن “ينعّم” رقبة أبي (إزالة الشعر عن الرقبة في ماكنة حلاقة قديمة)، فحين أراد الحلاّق يحني رقبة أبي عنوةً رفض أبي وقال:
نلت العزّ من الخلاّق وجلست بأعلى كراسي
إلاّ بين دَين الحلاّق مش ممكن إحني راسي
وكان الدرس الأوّل الذي تعلّمت منه قيمة “عزّة النفس” من أبي، هذا الذي كتب لأخي على “ورقة علامته” التي طلب منه أن يوقّعها كوليّ أمر الطالب وهذه هي العادة.في مدارسنا، دليل إطّلاع ولي الأمر على علامات الطالب، فقد كان أخي الأوّل في صفّه، حيث قال المُدرّس لراجي:” فرجونا يا طلاّب مين رح يسبق راجي الفصل القادم؟” وكان أخي خجولاً بما كتب أبي:
“من غير عيطة وضربة كفّ ذهني للدرس تحوّل قولوا لتلاميذ الصفّ راجي رح يبقى الأوّل”

لقد اختصر والدي بهذه الكلمات الكثير، فهو الذي لا يصرخ ولا يضرب ولا يعنف وإنما يكون قدوة قولاً وفعلاً، ويعكس سلوكه على أبنائه، الذين كانون من الأوائل على المدرسة مثلاً.

اقرأ أيضاً عن عُنف الشارِع والجوع وسوء السلطة – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع