التربية الدينية.. تلاميذ أُخرِجوا من صفهم يُطالبون بإعادة النظر بهذه المادة

الناشط “ديب” نحو تربية على المواطنة.. والشيخ “محمد” يدعو للتربية الأخلاقية..

سناك سوري- نورس علي

تتساءل “أريج” لماذا لايتم دمج الحصتين مع بعضها البعض، وتقول إنه في إحدى سنواتها الدراسية كانت مدرستا “الديانة الإسلامية” و”المسيحية” تدخلان معاً إلى الصف وتدرسان مع بعضهما البعض بالتناوب، مشيرة إلى أنها كانت تجربة جيدة جداً بالنسبة لها.

الطالبة “أريج”

اقتراح “أريج” يأتي بعد أن جلست خارج الصف عدة مرات بانتظار المعلمة غير المتخصصة وغير المفرغة لتحصل على درس التربية الدينية الخاص بها، ولكن المعلمة لم تأتِ لانشغالها بدرس آخر مقرر لها.

“أريج” وهي في الصف الثامن، ليست الطالبة الوحيدة في سوريا التي تشهد هذه الحادثة، فقد سبقها آلاف الطلبة في مختلف مدارس البلاد التي تدرس مادة التربية الدينية ويتم فيها فصل الطلاب عن بعضهم البعضهم بسبب اختلاف دينهم.

تقول “أريج” لـ”سناك سوري” إنها تشعر بالنقص عندما تخرج من القاعة في هذه الحصة، خصوصاً وأنها لا تذهب إلى قاعة أخرى لتلقي درس الديانة الخاص بها، وإنما في أغلب الأوقات تنتظر في باحة المدرسة كما في سنواتها الدراسية السابقة، حتى انتهاء الدرس وهذا له آثار سلبية على شخصيتها وعلاقتها مع باقي الطلاب.

المدرس “كرم نجار”

المدرس “كرم عساف النجار” المختص بشؤون التعليم يوافق “أريج” على فكرتها ويقول إنه «عندما يُطلب من التلميذ الخروج من الحصة فهذا ينتقص من شخصيته ويتبادر إلى ذهنه بأنه يوجد أمور خاصة في هذه المادة لا يجب أن يعلَمَها بسبب انتماءه الديني».

لا مدرسين للديانة المسيحية

على الرغم من أن مادة التربية الدينية مقررة في المدرسة إلا أنه لايوجد مدرسون متخصصون لها في جميع المدارس حيث تقوم أي مدرسة مسلمة بتدريسها، كذلك الأمر بالنسبة للمسيحية، وهو أمر يستنكره المدرس “نجار” في حديثه لـ”سناك سوري”، ويقول إنه من الضروري جداً طالما هذه المادة موجود أن يكون لها مدرس مختص يعطيها للطلبة.

تقول “سعاد” وهي طالبة ثالث ثانوي لـ”سناك سوري” إنها لم تتلق طوال مدة تعليمها حتى الآن مادة التربية الدينية في قاعة مجهزة، ودائماً تخرج من قاعتها التي تدرس فيها في حصة التربية الدينية الإسلامية، وتتساءل لماذا توجد هذه المادة من أساسها في المنهاج المدرسي!، وكذلك الطالب في الصف العاشر “مهند” يشاطرها نفس التساؤل.

الطالبة “سعاد”

وتشاركها السؤال “أريج”: «لماذا هذه المادة أساساً طالما لا تدخل بالمجموع العام للمحصلات الدراسية، أي أنها تأخذ من الطالب الوقت والجهد دون أدنى فائدة لها في المجموع العام، حيث يمكن أن تتسبب بترسيب الطالب، ولكنها لا تدخل في أية مفاضلة أو أي محصلة».

صور جميلة لم تتم المحافظة عليها

هناك تجارب سابقة في سوريا كان يتم فيها تلقي الدروس الدينية للطلاب مع بعضهم البعض، ومن بينها تجربة مدينة “بانياس” على الساحل السوري، والتي يستذكرها المدرس “كرم نجار” بالقول: «كان المدرس “عيسى علي” والمدرس “رياض أبو عيسى” والمدرس “حنا بشارة” يعطون حصة التربية الدينية لجميع الطلاب وبالتساوي من حيث الوقت بين جميعهم، ولم يطلبوا من أي طالب الخروج، وهذا غرس فينا كطلاب مشاعر جميلة، وانعكس على من مارس العملية التربوية إيجاباً، ومنهم أنا شخصياً، حيث نبذت الفكرة بالمطلق ودافعت عن بقاء الطلاب جميعاً في القاعة لمتابعة الحصة سوياً وتنمية شعور المحبة والتسامح والمواطنة والإنسانية، وأظن أن هذه الحالة الإنسانية تحتاج إلى مبادرات ذاتية وليس توجيهات».

رأي المرشدة الاجتماعية

ترى المرشدة الاجتماعية “سراب رقية” أن هذا الفصل يؤثر سلبياً على العملية التعليمية وعلى شخصية الطالب، مضيفة في حديثها لـ”سناك سوري”: «الطالب من ديانة معينة في مرحلة التعليم الأولى لا يعي أن زميله الطالب من الديانة الأخرى يخرج من حصة التربية الدينية إلا لأنه معاقب، وهذا لأن ليس لديه الوعي والمعرفة، مما يؤثر سلباً عليه وعلى زملاءه».

“رقية” ترى أن «هذه الحالة تتطور لتشكل نوعاً من عدم الاستقرار كونه انعزال للطالب عن رفاقه وزملاءه، وهي تخلق نظرة سلبية له كطالب معاقب».

المرشدة الاجتماعية تؤكد من منظور أكاديمي أن هذا الأمر يساهم في نشر ثقافة التفرقة والتمييز انطلاقا ًمن المدرسة وتنعكس على المجتمع، وتدعو إلى إيجاد البدائل عن التربية الدينية بشكلها الحالي، وجعلها مادة متاحة لجميع الطلبة تواجه من خلالها كافة أشكال التمييز وتزرع القيم فيها.

رأي المجتمع المدني

يقترح الناشط المدني “طوني ديب” أن يتم فصل التعليم عن الدين نهائياً، ويقول إنه لايجب تدريس أي مواد دينية متخصصة في المدارس، لأن هذه المواد تكرس أن هناك طالب مسيحي وآخر مسلم، وأنا كشخص مررت بهذه المرحلة مثل الطلاب الحاليين، والنتيجة أنها لم تحقق لي إلا النتائج السلبية والتمييزية.

“ديب” يرى أنه يجب إلغاء كل شيء فيه تمييز سواء بالمدارس أو القوانين، ويدعو إلى استثمار المدارس في خلق مواطنة صحيحة ومتساوية بين جميع الطلبة.

الدين يرفض التصنيف أو التمييز

تقدم الأمم وحضارتها يقاس في لقاء أبنائها لا في تفريقهم، هكذا يقول الشيخ “محمد عبد الله محمد”، مضيفاً لـ”سناك سوري”: «من غير المقبول دينياَ في الإسلام تصنيف الناس ومحاكمتهم في دينهم وإيمانهم».

الشيخ “محمد” يؤكد أنه «آن الأوان بعد هذه الحرب الظالمة التي عاشتها “سورية” التأسيس لنهج جديد في التربية الدينية يكون عماده الأخلاق الجامعة لكل بني الإنسانية، فالصدق صدق دون أن ينسب لدين معين، وكذلك الصبر وكل الأخلاق، ولا نعني هنا إلغاء التربية الدينية على الإطلاق، إنما جمع الأطفال معاً دون غرس بذور التفرقة فيهم على الأساس الديني، وجمعهم في دروس للأخلاق، إلى أن يبلغوا مرحلة الشباب وعندها لا بأس من تعليمهم الشرائع كل حسب شرعته ومنهاجه، بعد أن نكون قد وضعنا القاعدة الأساسية التي نحصن بها شباب الوطن من الانحراف، وهي الأخلاق التي رأسها حب الوطن وحب الوطن من الإيمان».

دور مجلس الشعب

يرفض عضو مجلس الشعب عن طرطوس “خالد خدوج” في حديثه مع “سناك سوري” مناقشة هذا الموضوع من الناحية التربوية، لكنه يقترح على المتضررين منه أن يقدموا عريضة له حتى يناقشها في مجلس الشعب السوري.

ماذا ننتظر؟

تظهر مختلف الشهادات والتجارب وجود خلل في هذه المادة بصيغتها الحالية التي تحتاج إلى مراجعة جوهرية لتلافي هذه الثغرات وعلى رأسها فصل الطلبة عن بعضهم البعض في هذه الحصة، وإعاة النظر بمحتوى هذه المادة ليكون مناسباً لكل الطلبة، وبناءً على ماسبق فهناك اقتراحات أن يركز المحتوى على المواطنة، أو على الأخلاق، أو ربما تعريف الطلبة بأديان بعضهم بشكل عام مع التركيز على الجانب الإنساني والقيمي فيها وليس الشرعي، وعلينا ألا ننتظر المزيد من الوقت لطرح هذه المادة للنقاش بعمق من وجهة نظر تربوية وتعليمية ووطنية.

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع