التربية الجنسية في مواجهة اغتصاب الأطفال – ناجي سعيد

صورة تعبيرية - انترنت

لماذا نمنع التربية الجنسية عن أطفالنا ونتركهم عرضة لمخاطر جمة كالتحرش؟!

سناك سوري – ناجي سعيد

درس صديقي “ماجد” اختصاص علم النفس بعد أن كان مولعًا بالرسم، حيث قضى مراهقته بتنفيذ رسومات لأجسام عارية وكان يبيعها لزملائه. فلم يكن يعلم حينها أن تلك الرسومات التي ينجزها لم تكن سوى محاكاة لرغبات جنسية يدفنها المراهق نتيجة عدم إعطائه المساحة الآمنة في تربيته الجنسية. نعم فغالبًا ما يقمع الأهل ابنهم المراهق حين يضبطونه وهو يمارس “العادة السريّة”- وهي طبيعية – وفي غالب الأحيان يلجأ المراهق إلى عادات (مثل تداول النكات البذيئة..) هي بمثابة ردّ فعل على نمو الناحية الجسدية من شخصيته. فشخصية الإنسان مكوّنة من أربع جوانب: العقلي/ الروحي/ الإجتماعي/ الجسدي.

اقرأ أيضاً: “لبنان”.. 8 شبان تناوبوا على اغتصاب قاصرة سورية وابتزازها

وبالطبع البيئة التربوية الحاضنة تضمن للإنسان سلامة وصِحّة نموّ الشخصية وإتّزانها. وقد تذكّر ماجد فيلمًا وثائقّيًا شاهده يحكي عن عادات تحدُث في فترة الطفولة وهي أيضًا طبيعية حيث تعتبر إشارات تدلّ على مرحلة من مراحل إكتشاف الذات. فكما يكتشف الرضيع العالم من حوله بوضع كلّ ما يمسكه مباشرةً في فمه، كذلك يمرّ الطفل دون العاشرة، بمرحلة يستكشف فيها ذاته، فتراه يتلمّس ويتحسّس أماكن في جسده قد يخجل الأهل من الكلام عنها أو لمسها أمام الآخرين، وقد جهدت التربية الحديثة في إدخال جزء بسيط يتعلّق بتوعية الطفل على موضوع الحماية الذاتيّة، فيعلّمون الطفل بأنّ هناك مساحة خاصّة في جسمه يجب أن لا يلمسها أحد غير الطبيب/ة، فتكون التربية الجنسية مجرّد بنود تحذيريّة يزوّدون بها الطفل لحماية نفسه فقط. وهذا ليس خطأً بالطبع، لا بل منقوصًا. فالتربية الجنسية ليست للتحذير، ولا تعمل بتوصيل الطلبات (دليفري)، لكنّ التربية الجنسية يجب أن تكون كاملة الأركان: الأهل أوّلاً، ثمّ المدرسة ثمّ المجتمع الحاضن. ولا يصدّق الأهل بأنّ التربية الجنسية مسؤوليتهم أوّلاً، فالطفل ينمو في بيت الأسرة. ويقضي عموماً (هناك استثناءات) السنوات الخمس الأولى مع أبويه، وهذا يعني أنّ أساس التربية الجنسيّة يبدأ من البيت. فكيف لأهلٍ يخجلون من الحديث مع أبنائهم في مواضيع يعتبرونها حسّاسة أن يتولّوا رعاية تربوية تضمن نشوء جيل واعٍ جنسيًا.

اقرأ أيضاً: فنانون سوريورن وعرب يتفاعلون مع حادثة اغتصاب طفل ويطالبون بالعدالة

وما أتحدّث عنه ليس سهلاً، ولا أعتبر أنّه معجزة، لكن على الأقلّ يجب دعم الكثير من الحملات التي تهدف بمسار علاجي وليس وقائي – وهذا أضعف الإيمان- وتتميّز الحملات بأنّها توعوية، تعالج مشكلات التحرّش والإعتداء الجنسي كحالات مرضيّة قابلة للعلاج بالطبع. وأغلب الدراسات العلمية عن أسباب التحرّش تُظهر بأن المتحرّش يعاني من إضطرابات سلوكية تجعله ينفّذ تحرّشه بالضحايا وهو بكامل وعيه، فالإضطراب السلوكي لا ينبع من اللاوعي. لكنّ المسار التربوي للمتحرّش يتعرّض للإهتزاز النفسي نتيجة حادثة واجهها في طفولته وتركت جرحًا عميقًا ينتج عنه العديد من السلوكات المضطربة.
إن التربية الجنسية التي تؤدي للمعرفة الذاتية حاجة ماسة لكل طفل اليوم لمعالجة تراكمات الماضي والمشكلات التي يشهدها مجتمعنا حالياً، كحوادث الاغتصاب أو التحرش بالأطفال، فعلى سبيل المثال عندما يحظى الطفل بالمعرفة الجنسية التي يحتاجها ويحظى بانصات أهله وقربه منهم فإنه سيدرك أي حالة تحرش يتعرض لها ويخبر أهله، وهو أمر يمكن أن يساهم في جانبين الأول الكشف عن حوادث التحرش قبل وقوعها فمثلاً بمجرد أن يقترب أحد من اعضائه التناسلية أو يسمعه كلاماً عنها أو ماشابه سيفهم الطفل أن هناك شيئاً غير صحياً يحدث قد يخبر أهله بما حدث وحينها سيتدخل الأهل أو المدرسة ..إلخ ويوقفان المتحرش ويحميان الطفل، أو حين يحدث التحرش يأتي ليخبر أسرته أو المقربين منه بما حدث ولا تحتاج القضية أن تنتظر لعامين أو فيديو ينتشر على السوشيل ميديا حتى يعرف بها كما حصل مع الطفل الذي تعرض لاغتصاب وانتشر مقطع الفيديو للجريمة التي ارتكبت بحقه خلال اليومين الماضيين وشغل السوشيل ميديا.

اقرأ أيضاً: اغتصاب طفل سوري وتصوير الجريمة

من الجانب الآخر إن هناك عوامل عديدة تؤثر في شخصية الإنسان قد تحوله إلى “مُغتصب”، وهذا الطفل الذي ربما يكون معرضاً للتحرش في طفولته قد يتحول إلى متحرش عندما يكبر، تقول دراسة أعدها الدكتور النفسي “أحمد عبد الله” وعنوانها  “الاعتداء الجنسي على الأطفال الإناث، الانتشار والاعتلال النفسي”، أن المتحرش ليس مريضًا نفسيًّا، بل هو شخص مدرك لأفعاله ولكنه يعاني خللًا يجعله يتصرف بعنف تجاه الآخرين. وتكشف الدراسة أن الاعتداء الجنسي هو نوع من أنواع العنف والعدوان الذي يمارسه البعض كرد فعل لعدة أسباب: منها البيولوجية مثل ارتفاع معدلات التلوث البيئي، ما يسبب ميلًا إلى العنف. كما توجد أسباب نفسية واجتماعية وسياسية، مثل التفكك الأسري والزحام والقمع أو الحرمان من الاحتياجات الأساسية.
تؤكد الدراسة التي أجريت في مصر عام 2007 أن هذه العوامل عندما تجتمع مع غياب للضمير والمبادئ والتربية الصحيحة، يصبح سلوك الشخص مائلًا لكل أشكال العنف بشكل عام، ومنها التحرش الجنسي.
لم تكن يوماً التربية الجنسية ترفاً ولا إضافة هامشية، إنها حاجة ماسة لكل إنسان، والضرر الذي يلحق بالانسان نتيجة غيابها كبير جداً والشواهد كثيرة، فتعالوا نتحرر من القيود والأفكار السلبية والمتحجرة تجاه هذا الموضوع وندعم هذه التربية لأبنائنا وبناتنا فنحميهم ونحمي مستقبلهم، وبتقديري مخاطر غياب التربية الجنسية أكبر بكثير من مخاطر حضورها هذا إن كان لحضورها مخاطر أصلاً.

اقرأ أيضاً: التربية الجنسية .. لماذا لا نخبر صغارنا عن أجسادهم؟ – لينا ديوب

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع