البربوط.. الكل يظلمه ويرميه خارج المنزل- شاهر جوهر

من مسلسل جميل وهناء

ابن أخي ولد شقي.. عطسته “البريئة” نغصت عليه حياته!

سناك سوري – شاهر جوهر

تماماً كما جاء بالأخبار في اليوم السابق، سادت الصقعة جميع الأصقاع في البلاد، تراكمت ندف الثلج فوق الأشجار والمنازل وأخذت تنشر البرودة في كل مكان، وفي الخارج كانت الريح تعوي و تصفق بتتابع على النوافذ والأبواب بعصبية. تتالى على الباب نقر لطيف ومتواتر، وانساب صوت كليل شبه مسموع كانت الريح تضربه ليبتعد عن مسامعنا المصغية لهدير المدفأة.

أصبح النقر أقوى، فاندفع صوت أحدهم يزعق:
– افتحوا الباب

فتحت والدتي الباب، تأرجح على الباب شبح صغير يرتجف، مدعوك بالطين ويقطر ماءاً من رأسه إلى قدميه، كشف عن قلنسوته، إنه “البربوط” ابن أخي الصغير والمشاغب ذو العشر سنوات، كانت أسنانه تصطكان من البرد، قال مرتجفاً:
– جدتي أنا دخيل عليكم، لقد طردني والدي من المنزل

قال ذلك ثم انفجر باكياً. أدخلته والدتي المنزل، فسارعت تجرها العاطفة، وتذكر أبويه بسوء محتمل لطرد هذا الصغير في هذا الجو العاصف، بدّلت له لباسه وجففت شعره ويداه، وضعت له الشاي الساخن ودثّرته بغطاء سميك. وحين أخذت الحرارة والدفء تعيدان لوجهه الحياة سألته والدتي سبب مجيئه في هذا الجو البارد، قال بعصبية:
– ألا تسمعين لقد طردني ابنك الحنون
– وما السبب؟ لولا أنك لم تشاغب لما فعل ذلك
– أنا! أقسم بآيات الله العظمى المقدسة يا جدتي الحبيبة لم أفعل شيء، قلت له فقط أريد سكاكر ذات الأصبع البلاستيكي، فقال لي في مكوناتها لحم الخنزير، بعد قليل قلت له طيب أريد أن أشتري كيكة الشوكولاطة إنها رخيصة ولذيذة، فقال لي إن كريمة الشوكولاطة تؤخذ من دهن الخنزير، ذهبت إلى أمي وقلت لها أريد لحماً من القصّاب، على بالي آكل لحماً فقالت لي إن في لحم الخروف شحم خنزير وهو محرم أكله.

في تلك الأثناء صاح والدي وطلب مني أن أحضر له كأس ماء ليشرب، أحضرت له كأس ماء وحين مددته إليه ليأخذه مني قال أعطه لأخيك “حمادة” لا أريد أن أشرب، هنا صحت في وجهه وقلت له لست خادماً لأخي الصغير، ثم عطست أمامه، ألا يعطس الإنسان العادي يا أعمامي؟ هنا غضب والدي ولحقني في كل أرجاء المنزل، ظن والدي أني قمت بالبصق في كأس الماء عمداً، حملني من تكة سروالي ومن ياقة قميصي وقذفني خارج المنزل، وقال لي أنا متبرئ منك ليوم الدين. ماذا يعني ذلك يا جدتي؟
– يعني أنه لم يعد والدك
غمغم:
– أحسن
– وهل بصقت في الكأس فعلاً؟
– لا أعوذ بالله لقد عطست، تسأ، هكذا، عطسة صغيرة، تسأ

دخل أخي الأوسط المنزل، يحمل بيده ربطتي خبز قام بشرائهما من الدكان:
– أهلاً أهلاً بالضيف، يا أهلاً بالبربوط، ماذا لديك اليوم من متاعب، كيف جئت بهذا الجو البارد كل هذه المسافة، هل جئت مع أحدهم؟
– لقد جئت سيراً على الأقدام
– وما سبب زيارتك الكريمة في هذا الجو الحلو إذاً؟

اقرأ أيضاً: لن يلتفتوا لمطالبك إن لم تتلبط وتصرخ أمامهم-شاهر جوهر

قرص كتفيه ببراءة مصطنعة:
– لقد طردني أبي يا عمي
– وبماذا أزعجته حتى يفعل ذلك؟
– لم أفعل شيء، كل ما هنالك أني طلبت منه سكاكر ذات الاصبع البلاستيكي، فقال لي في مكوناتها لحم الخنزير، قلت له أريد أن أشتري كيكة الشوكولاطة إذاً إنها رخيصة ولذيذة، فقال لي إن كريمة الشوكولاطة تؤخذ من دهن الخنزير، ذهبت إلى أمي وقلت لها أريد لحماً من القصّاب، على بالي آكل لحماً، فقالت لي إن في لحم الخروف لدى “عبد الرؤوف” القصّاب شحم خنزير وهو محرم أكله. عمي هل لحم الخروف لدى عبد الرؤوف فيه شحم خنزير؟
– آ-آ، يحدث أن يكون كذلك، أكمل

– في تلك الأثناء صاح والدي عليّ وطلب مني أن أحضر له كأس ماء ليشرب، لقد خدعني قال إنه يريد ماء ليشرب هو بنفسه، أحضرت له كأس ماء وحين مددته إليه ليأخذه مني قال أعطه لأخيك “حمادة” لا أريد أن أشرب، هنا صحت في وجهه وقلت له لست خادماً لأخي الصغير، فتظاهرت أني أبصق في الكأس أمامه كي أغيظه، هنا غضب والدي ولحقني ثم حملني من تكة سروالي ومن ياقة قميصي وقذفني في الماء، وقال لي أنا متبرئ منك، يعني أنه لم يعد والدي.

صبّت له جدته كأس شاي ساخن آخر، قرّبته منه، أخذ رشفة. ثم سألته وهي تخفي ابتسامة كبيرة على وجهها:
– كيف هي دراستك؟
– جيدة
– يقول رفاقك أنك الأكسل في الصف
ارتشف رشفة من الشاي، ثم ألصق كسرة خبز على المدفأة ورد بهدوء وبلا أي اكتراث:
– يكذبون، إني من الأوائل في المدرسة، اسألي مستخدم المدرسة إن لم تصدقي
– وما أدراه المستخدم بمستواك التعليمي؟
– إنه صديقي ولن يقول كلاماً سيئاً بحقي.
– يعني نستطيع القول أنك في الترتيب الأول على الصف؟
– بل تحت الأول بقليل، أنا لا أحب الكذب يا جدتي
– بائن. ومن هو أكسل الصف؟

دك كسرة خبز كبيرة في فمه:
– إنه صديقي مهند .. زعبور، أتعرفينه، ذاك الصبي الذي رأيتني ألعب معه حين جئتي لمنزلنا الأسبوع الماضي، من المستحيل ألا تعرفينه، زعبور، تذكري، صدره ناهض للأعلى مثل الفتيات، ومؤخرته نافرة للوراء، إنه يجلس معي بنفس المقعد.

تنهدت والدتي:
– سُئِل البعير :”ماهي صنعتك أيها البعير؟ فأجاب: أعمل في تصليح الساعات، فقالوا له بائن على خفّيك”، وأنت بائن على عينيك وعلى صديقك “زعبور” أنك الأول على الصف.
– قلت لك يا جدتي الحنونة لست الأول إنما تحت الأول بقليل

ثم تابع في هرش الخبز المحمّص وشرب الشاي.
أثناء جلستنا اتصل أخي من “ألمانيا”، تحدث مطوّلاً بالصوت والصورة مع والدتي:
– أليس هذا الصغير الذي بقربك البربوط؟
– نعم إنه لاجئ لدينا اليوم
– كيف حالك أيها المشاغب؟
رد الصغير بتظلم:
– من الله بألف خير لكن من أخيك الكبير لست بخير
– ماذا فعل لتقول ذلك؟
– ألم تسمع ما فعله بي؟
– لا لم يصلني الخبر بعد
– لقد طردني أخوك الكبير وتبرأ مني
– لو لم ترتكب أذيّة لما فعل ذلك
– أقسم بآيات الله العظمى المقدسات المباركات أني لم أفعل له شيء، القصة بدأت حين طلبت من أخيك الكبير سكاكر ذات الإصبع البلاستيكي فأنا أحبها، فقال لي إن في مكوناتها لحم الخنزير، قلت له فليكن فمكونات الخنزير محرمة، فأنا مؤدب ولا أنق، ولا أتناول ما حرم الله، فقلت بدل ذلك أريد أن أشتري كيكة الشوكولاطة إنها رخيصة ولذيذة، فقال لي إن كريمة الشوكولاطة تؤخذ من دهن الخنزير، قلت أيضاً معليش فدهن الخنزير محرم. ذهبت إلى أمي وقلت لها أريد لحماً من القصّاب، على بالي آكل لحماً. ألا يشتهي المرء لحماً من عند القصّاب؟ فقالت لي إن في لحم الخروف لدى القصّاب شحم خنزير وهو محرم أكله.

اقرأ أيضاً: برقية من ديك منتوف الريش -شاهر جوهر

أنا هنا غضبت، لكني لم أفعل شيء، أنا مؤدب وأنت تعرفني يا عمي في ألمانيا، وبعد قليل في تلك الأثناء صاح والدي عليّ وطلب مني أن أحضر له كأس ماء ليشرب، لقد غشني قال إنه يريد ماء له هو لا لأحد غيره، أحضرت له كأس ماء وحين مددته إليه ليأخذه مني قال أعطه لأخيك “حمادة” لا أريد أن أشرب، هل أنا مضحكة الجميع حتى يفعل بي ذلك؟ كان “حمادة” يضع رجلاً فوق أخرى وقال لي بعجرفة ناولني الماء يا خادم دون أن يرفع ظهره عن الأرض ليأخذ مني الماء حتى، هنا صحت في وجهه وقلت له لست خادماً لأحد، فقمت بالبصق خارج الكأس أمامه، قلت تء .. تء، أنظر يا عمي في ألمانيا إلى طرف لساني، قلت هكذا برأس لساني تؤ .. تء خارج الكأس، فغضب أخيك مني ثم حملني من تكة سروالي ومن ياقة قميصي وقذفني خارج المنزل والجو زمهرير، وقال لي أنا متبرئ منك، يعني أنه لم يعد والدي.

ضحك أخي لكلامه ثم قال له:
– سأخبر والدك أن يرضا عنك لا تقلق، وسأرسل له بعض المال لتشتري لحم خروف ليس فيه شحم خنزير
– لم يعد الأمر مهماً لا تأخذ ببالك، فأنا لدي كرامة وهي عزيزة عليّ
أغلق أخي الهاتف، أشعل أخي الأوسط قرب المدفأة سيجارة، ثم تفحصت عيناه المكان بحثاً عن كأس فارغة ليشرب الشاي، وحين لم يجد طلب من الصغير أن يحضر له كأساً فارغة من المطبخ على اعتبار أن القاعدة الأولى في المنزل تقول “صغير القوم خادمهم”. حمل الصغير نفسه بتثاقل وبتكاسل، دك الكأس على الأرض أمام الأبريق بشيء من عدوانية، فطلب منه أخي أن يسكب له الشاي حين كان منشغلاً هو بهاتفه، صب الصغير الشاي في الكأس وحمله إليه فغمغم متذمراً بصوت واضح للجميع:
– يا حبيبي يريدونني خادماً لهم
ثم اندفعت عطسة كبيرة مفاجئة ومختلقة ملأت كأس الشاي و المكان.
نهض أخي بهدوء، ودون أن يتلفظ بحرف، أمسكه من تكة سرواله وبيده الأخرى من ياقة قميصة وجدفه خارج المنزل:
– إذهب إلى أخوالك فنحن بريئون منك
صاح الصغير خلف الباب:
– إنها عطسة صغيرة يا عمي الحبيب، كل ما قلته هو تسأ .. تسأ، أنظر إلى طرف لساني يا عمي اللئيم، أنظر، تسأ .. تسأ

هامش: البربوط سمكة نهرية صغيرة لها قدرة على الانفلات من الصياد بسرعة، لذا يطلق على بعض الأطفال لقب البربوط يعني أنهم سريعو الهرب والتملص والحركة.

اقرأ أيضاً: في هذا الشرق… بعض الظن إثم -شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع