الالتزام في اللاعنف – ناجي سعيد

ناجي سعيد

اللي أوّله شرط آخره نور

سناك سوري-ناجي سعيد

في نظرة بسيطة لفهم شخصيّة الإنسان، نذهب فورًا إلى العضوين المحركين اللذَين يُحكمان السيطرة تمامًا على السلوك والأفكار والمواقف التي تصادف الإنسان: العقل والقلب. وبنفس المنحى العلمي، فالنصيحة التي تُفضي بالمرء إلى السعادة المنشودة، هي تحقيق التوازن بينهما.

وقد استخدم علم تحويل النزاع فكرة التوازن، بمسمّى آخر، فبرسمٍ بياني توضيحي، جعل العقل هو الخطّ العامودي، والقلب هو الخطّ الأفقي. ولتنعم بحياة هادئة خالية من المشاكل، لا بدّ من نسبيّة اتّباعك لإحدى الخطّين. وهذه النسبيّة يحكمها أيضًا العلاقة والرابط العاطفي. فلو كان هدفك المحافظة على علاقتك وعلاقة عائلتك عاطفيًّا بزوج خالتك “الدكّنجي الغلوجي”، لدفعت له ثمن علبة “اللبنة” مبتسمًا، مع العلم بأن أسعاره أغلى من غيره. فهدفك تحقّقَ عاطفيًّا، وهذا خطّ العلاقة.

أمّا لو فرغت سيّارتك من الوقود فجأة، ومررت مضطرًّا بمحطّة لتملأ خزانها، ووجدت سعره مرتفع عن التسعيرة الرسمية، فلن تتردّد بالذهاب للبحث عن السعر الأرخص. وما يجمع بين الموقفين (الدكّان والمحطّة) هو الالتزام. نعم فالتزامك ذلك التوازن بين قلبك وعقلك، والالتزام هذا ليس مادّة جامدة مُتحجّرة. ولو كان غير ذلك لأصبح مفهومًا أيديولوجيًّا عقائديًّا، وانقلب التزامك تعصّبًا لفكرة، وهذا التعصّب يُغمض العينين عن رؤية الخطأ والصواب. فما تراه صوابًا وأنت تلبس نظّارات بأفخم ماركة، لن يراه بالطريقة نفسها “سمعان بوقعقور” الذي يلبس نظّارات وجدها في القمامة، واعتقد أنه حين يضعها سيلقى تقديرًا من الآخرين.

اقرأ أيضاً: عنف السلطة وغاندي – ناجي سعيد

فالالتزام عند “سمعان” يُعلن عنه كمبدأ ينتهجه، رغم أنّه لا يلقى تقديرًا واحترامًا من أحد. فهل يستمدّ سمعان هذا الالتزام من عقله أم من قلبه، قد يكون عقله أسير قلبه وهذا ما سأدعوه العقل الموروث، وأظنّه لا يتعب بالتفكير. قد نجد مُسمّيات كثيرة تحت عنوان مصادر الالتزام، لكنّي بعد قراءتي لأكثر من مقال حول ذلك، لم أجد (استنادًا إلى مرجعيّتي العلمية) سوى اسم مصدَريْ التزام فقط، وهما الأساس برأيي: العقل والقلب. حيث يُفسح العقل النشط المجال للنقاش أكثر فيكتسب مرونة، وقد قرأت مقولة لأحد المفكّرين الغربيين (لا أذكر اسمه): إن الله خلق رؤوسنا دائرية لسهولة تغيير اتجاه التفكير. لكنّ المشكلة التي نواجهُها هي وضع الرأس الدائري في صندوق القلب ونُقفل عليه. فنحصد عنفًا جرّاء محاولة تغيير أو رفض، ذلك أن القلب الموروث لا يستسيغ ذلك التغيير.

ولو تجرّأ سمعان على كسر صندوقه الشخصي الفردي، يسجنه سكّان الضيعة في “خربة” الصندوق الجماعي. أن الالتزام العاطفي يلبس ملابس أنيقة مُجتمعيًّا بدعم ديني طبعًا، فطاعة الأهل وهي صلب الالتزام العاطفي، فالأهل يمنحون ابنهم بطاقة الولد الصالح، هذا إن حقّق أحلامهم. فالأب يحلم بأن يرى ابنه طبيبًا او مهندسًا. وقد منعتُ زوجتي (لاعنفيًّا بالطبع) من أن تحقّق حلمها بأن ترى ابنتنا طبيبة، وقلت لها بأن حلمك لا دخل له بابنتنا. وليس التزامًا عقليًا أن نجبر ابننا على تحقيق حلم لا يخطر بباله. فلو فشل الإنسان بتحقيق حلمًا راوده، يدفعه قلبه بإسقاطه على أبنائه.

في المجتمع الزراعي المقهور يرى الأهل تحقيق حلمهم من خلال أبنائهم قهرًا للماضي الذي داس على أحلامهم. وهذا التزام عاطفي لا يسهم في بناء مجتمع دائم التطوّر. ويؤدّي هذا الالتزام العاطفي بحسب بيار بورديو (عالم اجتماع فرنسي) إلى “تعسّف ثقافي”. وهناك طرحان في موضوع الالتزام: في المنطق التجاري فهناك عقد يبرمه طرفان، حيث يلزم طرفٌ طرفًا آخر ببنود يوقّع عليها بعد الموافقة. والالتزام الأدبي مثلاُ في مجال الكتابة يُلزَم الكاتب أن يشير إلى ذكر اسم أي مؤلِّف هذا لو اقتبس من كتاباته شيئًا.

والمثل الشعبي في المجتمع الزراعي الذي يحمي الالتزام من العنف هو: حساب بالحقلة ولا خناقة عالبيدر، وفي مجتمعنا نقول في مجالات أخرى، لنحمي الالتزام أخلاقيًّا: اللي أوّله شرط آخره نور.

اقرأ أيضاً: التعاطف في اللاعنف – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع