الاكتفاء الذاتي المحلي 2… ثنائية الاكتفاء والتنمية

سلسلة التنمية مع “مازن بلال”

سناك سوري – مازن بلال

نريد من عنوان الاكتفاء الذاتي المحلي أن يقودنا إلى نقطة مختلفة في رؤية سورية، فمفهوم الاكتفاء الذي يبدو تقليديا، إلا أننا نحاول منحة مساحة مختلفة عندما نسقطه على مسألة التنمية، وعلى خلق سلوك سياسي جديد بالنظر إلى العملية السياسية على أنها حالة إنتاجية وليس مجرد مواقف معلنة، أو صراعات على مناهج محددة، فـ”الاكتفاء” هو في النهاية محاولة لإزاحة العناوين العريضة التي تتحدث عن “إعادة الإعمار” وتنتهي مكاسبها في سوق العقارات.

فالمسألة هي إعادة النظر في موقع التنمية، وحيويتها في خلق بدائل قادرة على كسر نمطية الإنتاج في المجتمعات المحلية بالدرجة الأولى، وتؤثر بقوة على سلسلة الإنتاج في الدائرة الاقتصادية الأوسع، فهذا النوع من التنمية غير النمطية لا يحتاج للتقنيات التي ينقلها الخبراء، وهو أمر لا بد منه، بل أيضا في توسيع مفهوم الإنتاج من جديد، والنظر إلى الممكنات المتوفرة بشكل مختلف، فالأرياف التي استهدفتها التنمية طوال عقود أصبحت خزانا بشريا يتجه نحو مراكز المدن، والعملية التنموية نحو الزراعة على أهميتها لم تكن قادرة على خلق توازن تنموي، بل دفعت الأرياف لتبني أشكال هجينة غيرت من هوية تلك المناطق بيئيا على الأقل.

عندما نتحدث عن ثنائية الاكتفاء والتنمية فإننا نعيد النظر في العلاقة ما بين الريف والمدينة، فالأزمة أثبتت أن هذه العلاقة بقيت ضمن اتجاه واحد يضمن مركزية الأسواق ويجعل من المناطق الزراعية مساحات لخدمة التجمعات الأكبر، في وقت لم تتحول المدن إلى مراكز صناعية تبرر مركزيتها وتحكمها بمصالح الأرياف، وبالتأكيد فإن تصحيح هذا التوازن لا يمكن عبر تشتيت الأسواق، تغيير العمران القائم، فهذا الأمر يتجاوز الممكنات والظروف السورية التي تفرض شكلا آخر.

عمليا فإن تهيئة بيئة تنموية في المناطق الزراعية يقلل من نتائج خلل التوازن في العلاقة الموجود بين المدن والأرياف، وهذا الأمر لا يتطلب تكريس نمط الانتاج السائد عبر المشاريع الصغيرة التي تزيد من موارد الفلاح، فهذا النوع من “الاكتفاء الفردي” لا يتيح تبديل العلاقة القائمة بينه وبين المدن، بل إتاحة مساحة أمامه للخروج من الدورة الزراعية التقليدية، فالبيئة الزراعية تخلق دائرة انتاج يصعب اختراقها لأنها مقامة على أساس الدورة الطبيعية، والتنمية هنا هي كسر هذه الدائرة عبر توطين إنتاج جديد داخلها لا ينظر إلى البيئات الزراعية كخزان بشري ليد عاملة رخيصة، ولا يتعامل مع الأرض الزراعية كعقارات، فالإنتاج المطلوب مبدئيا في التنمية للأرياف يرتبط باقتصاد المعرفة، وبإنتاج سلسلة قيمة تتدخل فيها المعرفة لكسر احتكار أشكال الانتاج الأكبر.

الاكتفاء الذاتي المحلي هو تصحيح للعلاقة مع البيئة الزراعية ليس عبر توثيق تراثها الزراعي، او تنشيط المشاريع الصغيرة، إنما بتحريرها من الحالة التي تفرضها التجمعات السكانية الكبيرة عليها، ومن افتراض أن البيئة الزراعية محكومة بتقديم الغلال للأسواق المركزية.

اقرأ أيضاً: الاكتفاء الذاتي المحلي (1)

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع