الإلهة الأم في مواجهة الأحادية الذكورية- حسان يونس

الإلهة الأم -صورة تعبيرية - انترنت

عيد السيدة رمز لتلاقح عظيم حافظت سورية عليه.. وهو تلاقح الإلهة الأم مع الإله الابن

سناك سوري- حسان يونس

احتفلت منذ يومين كثير من المناطق السورية بعيد السيدة، وفي هذه المناسبة سأورد ما كتبه يوسف زيدان في روايته (النبطي) عن عقيدة بطل الرواية “النبطي”، الذي كان مرشّحا ليكون نبيا لدى بني تغلب في جنوب العراق، لولا أنه رفض استعمال نبوته في مشاريع سياسية قبلية.
يورد زيدان (ص 230 )، نقلا عن النبطي «وقد ابتدأ الوجود من اللات، الربة الأولى، فبقيت دهرا ولا شيء معها، ثم جاء معها من غير زوج إيل الإله الأول العالي،  يقال أن ابتداء حملها به كان في وادي فاران (جنوب سيناء)، وسعت وهي حبلى به بين جبال ساعير(في فلسطين منها ظهرت نبوة السيد المسيح)، وولدته عند قمم جبال سيناء ».

ويضيف زيدان «كانت الربة تحمل رضيعها إلى بعض المواضع، وترضعه هناك، فتسقط من صدرها أحيانا حبات حليب، هي التي صارت انهارا، وكان الإله الوليد يصرخ في مواضع أخرى، فيصيّرها صحراء مجدبة، ولما أتمت اللات الرضاع سعى إيل بعيدا عن جبل الربة، وسلك في شق هائل بين شواهق الجبال حتى وصل إلى بلدة آيلة (ايلات أو أم الرشراش جنوب فلسطين، تطل على خليج العقبة)، واشتاق إيل إلى اللات، لكن الجبال التي هناك أعاقته من الرجوع فسمّيت العقبة، وأحست اللات باشتياق ابنها، وأرادت احتضانه، فسالت دموعها وصارت بحرا (خليج العقبة)، وصلت مياهه إلى أقدام ابنها في آيلة، ونامت هي على جبل الربة وغابت فيه وصار إيل يطل على أمه كل يوم لحظة الشروق من الجبل المعروف باسمه في سيناء ثم يمضي في أنحاء الأرض وحيدا وحيدا، كالشمس ولما طالت وحدته، صنع الإنسان على مثال الأم والابن».

اقرأ أيضاً: بيروت الأُضحية _ حسان يونس

على شاكلة الأم اللات وابنها إيل لدى الأنباط، هناك عناة وإيل لدى أوغاريت، وعشيرة وأدونيس لدى الكنعانيين، وإيزيس وحورس لدى المصريين، والقائمة تطول وتشمل كل العقائد لدى كل الشعوب، هؤلاء الأرباب الأبناء جميعا نزلوا إلى العالم السفلي، ثم أعيد بعثهم من أجل حياة بشرية جديدة، تقوم فيها المرأة بدور أساسي، فتنزل إلى العالم السفلي متسلّقة مدارج خصوبتها لاستعادة الإله الغائب، ويعتبر السيد المسيح آخر تجلّي للإله الابن، وهو تجلّي يكرّس إصرار الحضارة السورية على استمرار ثنائية الإلهة الأم والإله الابن في مواجهة الأحادية الذكورية، التي جاءت بها اليهودية بحيث أصبح التاريخ البشري ساحة صراع ونبض وتذبذب بين الإلهة الأم والإله الابن.

يقول فراس السواح، في كتابه (لغز عشتار، ص 32) «أن هذا المجتمع الأول كان قائماً على “المبدأ الأمومي” الذي هو مشاعة وعدالة ومساواة، بينما المبدأ الأبوي تملُّك وتسلُّط وتمييز، الأمومية توحُّد مع الطبيعة وخضوعٌ لقوانينها، والأبوية خروجٌ عن مسارها وخضوعٌ لقوانين مصنوعة».

ويؤكد عبد الله أوجلان في مجمل أدبياته على العودة إلى الإلهة الأم كطريق خلاص لهذه المنطقة من الذكورة الطاغية والعنف المفرط المستشري في السياسة والمجتمع والثقافة.

اقرأ أيضاً: سوريا التاريخية.. لا تحتقر إلهاً لا تعبده_حسان يونس

نجد هذه الثنائية في كل النظم حولنا، فالأنظمة الديكتاتورية هي أنظمة ذكورية، بينما الأنظمة الديمقراطية هي أنظمة أمومية، كما أن الأنظمة القومية الأحادية هي أنظمة ذكورية، فيما الأنظمة التي تقوم على مبادئ التنوع وقبول الآخر هي أنظمة أمومية، وفي ذات السياق فان الأنظمة الرأسمالية المتوحشة التي تشعل الحروب هنا وهناك من أجل مبيعات الأسلحة، وصفقات إعادة الإعمار، وخطوط ومصادر الطاقة وإعادة الهندسة الديمغرافية هي أنظمة ذكورية، بالغة التطرف في ذكوريتها، بينما الأنظمة التي تتقاسم التنمية وتبني طرق حرير، يتكامل العالم وفقا لها، هي أنظمة أمومية، وتبرز هنا المفارقة بين الصين التي تنشر استثماراتها في أصقاع الأرض، خاصة القارة السمراء، وبين الرأسمالية الغربية الأمريكية والأوروبية التي نشرت ولا تزال تنشر الكثير من الإبادات الجماعية والدمار الشامل في العالم وخاصة في إفريقيا وفي شرقنا الأوسط.

إن عيد السيدة رغم اختزاله إلى احتفال ديني فولكلوري، يظل رمزاً لتلاقح عظيم حافظت سورية عليه، وأعادت تقديمه إلى العالم، وهو تلاقح الإلهة الأم مع الإله الابن، وهذا التلاقح يمثّل حلقة أساسية في الصراع مع التلمودية، وتجلّيها الأحدث، ممثّلا في الصهيونية.

اقرأ أيضاً: سوريا التاريخية.. نساء صانعات سلام -حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع