الإدارة المحلية في سوريا (1) .. مساحات منتجة

مواطن يلدي بصوته في انتخابات الإدارة المحلية - 2018 سناك سوري

لابد من نقل الإدارة المحلية من البعد الخدمي التقليدي إلى البعد التنموي القادر على قراءة الجغرافيا السورية بكل رساميلها ومواردها المتنوعة

سناك سوري – بشار مبارك

دائماً ما كان يتم النظر إلى قانون الإدارة المحلية الحالي الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 107 لعام 2011 على أنه جاء متقدماً في نصه التشريعي على كل ما سبقه من منظومة تشريعية رافقت مسار تجربة الإدارة المحلية في سوريا منذ ما قبل عهد الاستقلال حتى.
شكلت أهداف هذا القانون التي تضمنتها المادة الثانية منه أحد مداخل قراءة هذا القانون لجهة الرؤية التي حاول رسمها لمنظومة الإدارة المحلية ككل، بدءاً من توسعة سلطات وصلاحيات المجالس المحلية سبيلاً للانتقال بها من البعد الخدمي التقليدي إلى البعد التنموي القادر على قراءة الجغرافيا السورية بكل رساميلها ومواردها المتنوعة البشرية والاقتصادية والاجتماعية وتوظيف هذه الرساميل في خدمة عملية التنمية المحلية.
وصولاً إلى المراكز القانونية والوظيفية التي أحدثها هذا القانون، والكيانات المؤسساتية كالمراصد الحضرية ومراكز الدعم المجتمعي، والمساحات التي أعطاها القانون للوحدات الإدارية لزيادة ايراداتها وتعظيم الاستفادة من هذه الايرادات، كل هذا في سبيل زيادة كفاءة وفاعلية المجالس المحلية على تقديم خدمات أفضل وتطوير فرص اقتصادية وتنموية تعمل على تقليل الفجوات التنموية ما بين المناطق السورية.
لكن وبعد ثمان سنوات من نفاذ هذا القانون مازال الكثير مما ذكرنا حبيس نصوصه، حيث أثرت الحرب في سوريا التي تزامنت مع صدور هذا القانون بشكل مباشر على عمل منظومة الإدارة المحلية ككل، في ظل النزيف الهائل للموارد البشرية والاقتصادية والاجتماعية، مما أدى إلى انكفاء المجالس المحلية داخل صلاحياتها الخدمية التي شكلت تحدياً لها، لم تستطع حتى تجاوزه وتأمين أبسط الخدمات للمواطنين في ظل ضعف الايرادات المالية لهذه المجالس، وضعف الكفاءة المؤسساتية لها على صعيد الخبرة والمعرفة بأهمية دورهم والصلاحيات الممنوحة لهم، الأمر الذي فوت أي إمكانية للاستفادة من المساحات الخصبة للعمل المجتمعي والتنموي التي أوجدها هذا القانون بين نصوصه، في ظل منطق تفكير حكومي تعامل مع الإدارة المحلية على أنها عبارة عن مجالس محلية منتخبة، يَنظمُ عملها جملة من التشريعات والأنظمة، منطق تفكير استثمر في ضعف قدرات هذه المجالس لتعزيز هيمنة مركزية حولت المجالس إلى أدوات تنفيذية فقط.

اقرأ أيضاً: تسويق الأداء الحكومي في سوريا – بشار مبارك
هذا التوصيف القاصر للإدارة المحلية في سوريا، تجاهل حضور المجتمعات المحلية، والقطاع الخاص كمكونات أساسية تُكمّل من خلال ربطها مع بعضها البعض رسم المشهد الكامل للإدارة المحلية بأقطابه الأربع /المجالس المحلية – المجتمعات المحلية – القطاع الخاص – والمنظومة التشريعية (المعبرة عن حضور السلطة المركزية) والناظمة لآلية العمل والتفاعل بينهم جميعاً.
وعليه فإنّ أي قراءة لواقع الإدارة المحلية، أو أي تصور مستقبلي لتطوير هذا الواقع وآلية عملها يستوجب بالدرجة الأولى تغيير منطق التفكير السابق الذي أثبت عدم جدواه في الانتقال بالإدارة المحلية إلى واقع أفضل، وبالتالي إعادة الاعتبار إلى كل من هذه المكونات، من خلال دراسة معمقة لها وآلية عملها، وتأثيرها ضمن منظومة الإدارة المحلية، ودورها في عملية اتخاذ القرار المحلي.
وأبعد من ذلك يجب أنْ يترافق منطق التفكير الجديد مع تغيير في منهجية العمل التي مازال يطغى عليها الطابع المؤسساتي الإجرائي، وهو على أهميته، إلّا أنّ اعتماد قوالب العمل الحكومي والمأسسة المغلقة، لم تطور آليات لملاقاة ديناميكية التفكير والعمل الموجودة لدى المجتمعات المحلية والقطاع الخاص فبقيت بعيدة عن الفعل المؤثر في عمل الإدارة المحلية.
إنّ مفتاح نجاح الإدارة المحلية اليوم هو في افساح المجال أمام مكونات الإدارة المحلية للتلاقي والتفاعل فيما بينها بما يساهم في خلق مساحات منتجة متكاملة ترسم المشهد الحقيقي الذي أراد قانون الإدارة المحلية لها أن تكون.
يمكن توصيف هذا المشهد كموشور ثلاثي الأبعاد قاعدته كل من ( المجتمع المحلي- القطاع الخاص – المجالس المحلية) ورأس هذا الموشور هو القانون الناظم لعملية التفاعل بين هذه المكونات لتشكيل أوجه الموشور الثلاثة ( التشاركية – المشاركة المجتمعية – المسؤولية المجتمعية )، كمساحات منتجة للتفكير والتخطيط والعمل تعطي مؤشراً لمدى نجاح منظومة الإدارة المحلية من خلال اتساع قاعدة وارتفاع هذا الموشور.

اقرأ أيضاً: شعراء “المجالس المحلية” أبرز تحديات اللامركزية الإدارية

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع