الأم فكرة شعرية منذ فجر التاريخ والأدب

 احتفالُ عمره آلاف السنين… 

سناك سوري – يوسف شرقاوي

بدأ الاحتفال بالأم منذ آلاف الأعوام، حتى الإنسان البدائي شارك في هذا العرس الكونيّ، مصوراً عمليّة الولادة وكيف تضع الأم ابنَها في العشيرة، ليشبَّ رجلاً يصطاد فرائسه بيديه، أما في “مصر “الفرعونية، فقد اعتُبِرَت “إيزيس” هي الأم الإلهية للفرعون، وتُعَد صورةً في الإخلاص الأمومي، فخُصِّص لها احتفالٌ كانت مواكبُ من زهور تطوف المدن المصرية فيه لتحتفي بالأم.

في أوّل ملحمةٍ مكتوبة عرفها التاريخ “ملحمة جلجامش”، أخذَت الأمُّ دورَها منذ البداية، وتُصوَّر فيها كملكة إنسانية تعيش مع ابنها “جلجامش” فتساعده في تفسير أحلامه، وتدعو له قبل رحلاته ومغامراته، وبهذا شاركت الأم منذ نشأة الأدب الإنساني بوصفها شخصيّة أساسية ومؤثرة فيه.

على الطرف الآخر، خصص الإغريق للأم ثلاثة أيام، من 15 حتى 18 آذار، تزامناً مع احتفالهم بالربيع، المُسمَّى “هيلاري”، ولم تخلُ الملاحم الإغريقية من دور الأم الحامية لابنها، فها هي “ثيتيس” أم “أخيل” بطل ملحمة “الإلياذة” الإغريقيّة، تعمّده في المياه المقدّسة وتحميه، وتبتهل من أجله، ثم تصير الأم مفجوعةً برحيل الابن، وتلعب دور الثكلى، في رحلتها الموغلة في القِدَم مع الأدب.

تبدو فكرة الأمومة فكرة شعريّة بالأصل، روحٌ تنفصل بين جسدين من لحمٍ ودم، إلى حدّ أن تنكر الأم ذاتها لتنغمس في الآخر، وتُحافظ على الحياة التي خرجت منها. وليس من الغرابة أن يجتمع يوم الأم والربيع والشعر في وقتٍ واحد، فهي في الأدب معادلٌ للأرض، كما في رواية “الأم” للكاتب الروسي “مكسيم غوركي”، حيث تدلّ الأم فيها على “روسيا” الكبيرة، بأزماتها وتطلعاتها، لتؤثر في أجيال كثيرة بعد ذلك حتى اليوم.
والعربي الحائز على “نوبل” “نجيب محفوظ”، كانت الأم عنده نموذجاً للصبر والإخلاص، كما في رواية “بداية ونهاية”، التي نابت الأم فيها عن دور الأب الميت أيضاً.

اقرأ أيضاً:“خديجة” الأم التي لا تحتفل بعيدها

في الشعر، يمكن القول إنّ الأم سيّدة القصائد، “الشريف الرضي” يرثي أمه في قصيدة وصفها بعض النقّاد أنها أبلغ ما قيل:
“أبكيكِ لو نقع الغليلُ بكائي – وأقول لو ذهب المقالُ بدائي
قد كنتُ آمل أن أكونَ لكِ الفِدا – مما ألَمَّ فكنتِ أنتِ فدائي”.

مَن لا يتذكّر أم “محمود درويش” التي ذهبت إلى سجنه بالخبز والقهوة؟ فكتبَ عنها:
” ﻭﺃﻋﺸﻖ ﻋﻤﺮﻱ ﻷﻧﻲ
ﺇﺫﺍ ﻣﺖّ،
ﺃﺧﺠﻞ ﻣﻦ ﺩﻣﻊ ﺃﻣﻲ!”
أو كلمات “سعيد عقل” التي كنا نرنّمها صغاراً:
“أمي يا ملاكي، يا حبّي الباقي إلى الأبد!”
بينما الشاعر “حسن عبد الله”، يعظّم الأم المفجوعة بشهيدها، فيقول:
“أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها
أجمل الأمهات التي انتظرته
وعاد مستشهداً
فبكَت دمعتين ووردة
ولم تنزوِ في ثياب الحداد”.

أما الشاعر “نزار قباني” فهو يبحث عن أمه في وجوه النساء:
“ﻋﺮﻓﺖُ ﻧﺴﺎﺀ ﺃﻭﺭﻭﺑﺎ / ﻋﺮﻓﺖ ﻋﻮﺍﻃﻒ ﺍﻹﺳﻤﻨﺖ ﻭﺍﻟﺨﺸﺐ / ﻋﺮﻓﺖ ﺣﻀﺎﺭﺓ ﺍﻟﺘﻌﺐ / ﻭﻃﻔﺖ ﺍﻟﻬﻨﺪ، ﻃﻔﺖ ﺍﻟﺴﻨﺪ، ﻃﻔﺖ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺼﻔﺮ / ﻭﻟﻢ ﺃﻋﺜﺮ / ﻋﻠﻰ ﺍﻣﺮﺃﺓ ﺗُﻤﺸّﻂ ﺷﻌﺮﻱَ ﺍﻷﺷﻘﺮ / ﻭﺗﺤﻤﻞ ﻓﻲ ﺣﻘﻴﺒﺘﻬﺎ / ﺇﻟﻲّ ﻋﺮﺍﺋﺲ ﺍﻟﺴﻜّﺮ / ﻭﺗﻜﺴﻮﻧﻲ ﺇﺫﺍ ﺃﻋﺮﻯ / ﻭﺗﻨﺸﻠﻨﻲ ﺇﺫﺍ ﺃﻋﺜﺮ.”

إذن، رافقت الأمُّ الأدبَ منذ نشأته، بشخصياتٍ كثيرة لا يمكن حصرها، وما من سبيلٍ حتى للإحاطة بها، ويكاد لا يخلو عملٌ أدبيّ منها، أو الأغاني، مثل خالدة “فائزة أحمد”  ألحان “محمد عبد الوهاب”: ست الحبايب، يا حبيبة. وترنيمة “غوّار الطوشة”: يامو، يا ست الحبايب يامو.

اقرأ أيضاً:عيد الأم لن يمر من هنا.. هنا سوريا!

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع