“اضطراب ما بعد الصدمة” مرض أصاب آلاف السوريين… أين العلاج؟

“محمد” ما يزال يردد: «لو استشهدت كانوا أهلي استفادو مني بقرشين»

سناك سوري-عفراء بهلولي

يرفض “محمد” رواية ما حدث ذلك اليوم، «لا أستطيع أن أتذكر ما حدث بصوت عالٍ. أنني كنت أسبح في نهر من الدماء والجثث، يصيبني بالاختناق فرائحة الدم مازالت بأنفي حتى اليوم حتى أثناء نومي المتقطع»، “محمد” يعاني من هذا الاضطراب منذ 6 سنوات، ويرفض الانخراط بالمجتمع، دائم التوتر والغضب ويلجأ دائماً للمهدّئات والمنوّمات.

يصاحب “محمد” وهو شرطي سابق، دائماً شعور بالنقص والعجز، هو لا يقف عن ترديد جملة: «لو استشهدت كانوا أهلي استفادو مني بقرشين».

الشرطي السابق كان متواجداً على رأس عمله في “حماة” في أواخر شهر تموز من عام 2011، حين هاجمت مجموعات مسلحة  عناصر الشرطة في المدينة، وتمّ قتلهم ورميهم في نهر العاصي.

لا يوجد حتى اليوم نسبة واضحة للأشخاص المصابين باضطرابات نفسية مزمنة في البلاد، وقد يعود ذلك لاستمرار الصراع في “سوريا” ما يجعل البلاد مسرحاً جاهزاً لصدماتٍ جديدة وقد يضطّر البعض للحصول على خدمة العلاج النفسي عند الأطباء النفسيين وهو خطأ شائع لدى غالبية السوريين، حيث يحتاج المصاب ببعض هذه الاضطرابات إلى معالج نفسي لا طبيب نفسي في أغلب الحالات.

بين أنقاض الحرب في أحد المناطق السورية

معاناة السوريين مع “اضطراب ما بعد الصدمة”

بالرغم من أن مصطلح “اضطراب ما بعد الصدمة”، نفسي بحت ولكن كلماته باتت مفهومة لأغلب السوريين فالجميع متّفق على أننا أصبحنا بحاجة كبيرة لمعالجين نفسيين بعد 7سنوات من الحرب أو لحملات علاج مكثفة وطويلة الأمد للتخلص من الاضطرابات النفسية التي باتت واضحة على سلوك الأفراد في المجتمع السوري بكافة أطيافه والأفعال غير السويّة كالمخدرات والانفلات الأمني وغيرها، أكبر دليل على الاضطرابات التي نعاني منها.

تقول “مروة محفوض” وهي طالبة ماجستير إرشاد نفسي: «مازال المجتمع السوري لا يستطيع أن يميّز بين المعالج النفسي والطبيب النفسي وقد يصل الأمر إلى عدم دراية بوجود المعالج النفسي وما هو عمله وترجّح ذلك لغياب الثقافة العامة والاستعانة بالمعالج الديني أو الروحاني وعدم تسليط الضوء من قبل الدولة على أهمية العلاج النفسي كعلمٍ قائم بحدّ ذاته».

تؤكد الطالبة الشابة أن الغرب «يتجه بشدّة الى تخصيص مراكز للعلاج النفسي على جميع الأصعدة ابتداءً من إدارة نوبات الغضب عند الأشخاص مروراً بالإدمان على الكحول للوصول إلى جرائم القتل»، تكمل: «بالإضافة إلى وجود الحرب كعامل رئيسي فإن غياب الوعي والخجل من زيارة الطبيب بسبب نظرة المجتمع يدفع الأشخاص لعدم البحث عن الخدمة إن وجدت بالإضافة إلى سوء الوضع المادي وارتفاع أجور العلاج والأدوية».

المعالج النفسي مهم جداً لتجاوز آثار الصدمة

الخدمات النفسية في “سوريا” ما تزال قاصرة

ترى “غيداء سعيد” وهي تُحضِّر للدكتوراه في الإرشاد النفسي أن الخدمات النفسيّة المقدّمة في البلد تعتبر خدمات قاصرة ومحدودة وتقتصر على محاولات خجولة ضمن المراكز المجتمعية في الجمعيات الحديثة العهد والتي نشأت مع الأزمة في البلد والمشكلة تكمن في أن الأشخاص العاملين ضمن المراكز أغلبهم أشخاص غير مؤهلين للعمل ضمن حقل الدعم النفسي كون القسم حديث العهد ولايتبع منهجية مدروسة للعمل بها وتتحول الخدمة لتكون على شكل أطباء نفسيين موجودين في العيادات بالرغم من أن العلاج الدوائي قد يأتي كمرحلة أخيرة في بعض الحالات بعد التقييم النفسي من قبل المعالج.

تضيف: «المعالج النفسي والطبيب النفسي يكمّلان بعضهما كخطة لعلاج أي مريض لكن لا يوجد معالجون نفسيون في سوريا وأغلب العاملين في العلاج النفسي هم مدرّسون في الجامعات السورية تتعاقد معهم الجمعيات الخاصة وقد يصل عددهم ليكون معدوداً على الأصابع والمحزن أن الدولة لا تعترف بالمعالجين النفسيين ولايوجد نقابة لهم».

قد يكون “محمد” حالة من حالات كثيرة تنتظر العلاج في “سوريا” فالحرب مازالت قائمة ولا نستطيع أن نغفل هنا الأطفال وهم الفئة الأكثر تضرراً على المستوى النفسي والذين عاشوا الكثير من ويلات الوضع القائم في سوريا فهل نجد في الأيام القادمة جدية من الحكومة وأخذ موضوع العلاج النفسي على محمل الجد.

اقرأ أيضاً: هل تعوض “نور” أمها عن إخوتها الذين سرقتهم الحرب … قصص نساء سوريات

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *