إيقاف دوري الشدة من أجل كورونا .. شاهر جوهر

كورونا هل هو قرادة أم برغوث؟

سناك سوري – شاهر جوهر

في هذا اليوم كنت شاهداً فقط، وغالباً في بلادنا ما يدفع الشاهد الثمن. حين دخلت الدكان، في الحي الريفي الذي بات يخلو كل يوم شيئاً فشيئاً بسبب انتشار الكورونا، كان “عقلة” صاحب الدكان منشغلاً في حديثه مع “أبو هايل”، وهو يجلس على كرسي خاسف صنعه “عقلة” في وقت سابق من صناديق البيض الفارغة، وحين كان يسند كتفه على عصاه بدا لي عجوز يشد رأسه بمنديل معقود تحت ذقنه، تماماً مثل “أم بانكراتوف” في إحدى روايات “أوستروفسكي”.

وكأنهما يكملان حديثاً غاب عني قسم منه، رفعت ذروتي جزمتي ووقفت أتابع حديثهما، قال “عقلة” محتدّاً في وجه “أبو هايل”:
– مع احترامي لثقافتك وسنك إنه يزحف كالقُرادة لا كما تقول، إنه هكذا بحجم القرادة وله شناكل وليس أرجل، ثم كمش أصابعه مقدّراً حجمه. فقاطعه “أبو هايل” مؤكّداً وجهة نظره :
– بل إنه بحجم البرغوث ويفط كالبرغوث من هنا لهناك، أتعتقد أن المسافة بيني وبينك ستحجزه، أنا رأيته، أقسم أني رأيته على طاولة صيدلية “حتحوت” ولم أخبره بذلك، خفت أن أسيء لسمعة محلّه إن عرف الناس أني رأيته عنده.

اقرأ أيضاً:كيف تفاعل السوريون مع تسجيل أول إصابة بـ كورونا في سوريا؟

احتدّ النقاش مرة أخرى، أنا أعرف أبناء بلدتي اللطيفة أكثر منك عزيزي القارئ، إنهم مثل نهر الفولغا، (كما يصفه مكسيم غوركي) كلما أوغل في البحر انفسح وهدرت مياهه. لهذا كلما غاص شخصان هنا في النقاش انحدرا بقسوة في الكلام.

– أستاذ “جوهر” أنت عاطل وتتابع التلفاز أكثر من كلينا، أليس هو بحجم القُرادة ويدبي ببطء، أم أنه يفط مثل البرغوث ؟ جاوب بقدر ذمّتك.
وجه “عقلة” حديثه نحوي، فصوّبت كلماته قائلاً :«- تقصد (عاطل عن العمل)؟
– ليكن .. نريد حكمك
كنت أرغب أن أسألهما عن ماذا يتحدثان، حين دخل شاب الدكان وهو يعطس بتوالي وقد تورّم أنفه المُحمر، فصاح “عقلة”:
– ابقى في مكانك
رد الشاب ضاحكاً:« لا تخف إنها حساسية الربيع، ما هو الذي يفط كالبرغوث ويدبي كالقرادة؟»، أجابه “أبو هايل” :« الكالوريا».
صوّب “عقلة” حديثه :
– يقصد كورونا ويدّعي أنه يفط مثل البرغوث، أنت ما رأيك؟
– لعن الله شرفه، سمعت أن قدّه هالقدّ.
ثم كمش الشاب أصابعه مقدرّاً حجمه بحجم حبة خوخ، ثم أكمل وصفه :« وله شعر نافر مثل شعر زوجة أبي، شكله مخيف لعنه الله».
سأله “أبو هايل” بتسخيف :
– وأين رأيته حضرتك؟
– على التلفزيون، وكان لونه زهاميلي
الصدق يقال إنها المرة الأولى التي سمعت بها باسم هذا اللون “الزهاميلي”.

اقرأ أيضاً:وزير الصحة يكشف معلومات جديدة عن حالة الكورونا

في تلك الأثناء دخل شيخ القرية بعمامته الطويلة التي تميزه عن غيره من كفار هذه البلدة، ألقى السلام على الجميع فوقف “أبو هايل” احتراماً له، ثم مدّ يده ليصافحه، وضع الشيخ يده على صدره قائلاً:
– «لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين».
نظر إليه “أبو هايل” بازدراء ثم جلس مغدور الكرامة وهو يلوي فمه لتصرف الشيخ. ضحكت ملء معاطسي لفعله، وحين بدا على الشيخ الاستغراب و هممت في مغادرة الجميع للمنزل، توقفت سيارة صديق أعرفه أمام الدكان، هبط من السيارة كما في أفلام “جيمس بوند”، يحمل حقيبة في يده وله عينان حادتان كعينا صقر، لكنه على خلاف “بوند” كان يلعب بانتظام بشاربيه العربيان الغليظان.

ألقى من بعيد التحية أثناء جلوسنا أمام الدكان، ثم قال لنا في لهجة حزينة (أخبروا الشلّة أننا أوقفنا دوري الطرنيب حتى الثاني من نيسان تماشياً مع قرارات الحكومة).

اقرأ أيضاً:كورونا .. في البيت أراقب العطسة – يوسف شرقاوي

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع