إن أتتك رياح الكورونا فاغتنمها – أيهم محمود

أيهم محمود

يحق لي أن أقتلك!، أن أمزقك!، لكن لن أسمح لهم بمس شعرةٍ واحدةٍ منك!

سناك سوري-أيهم محمود

ليست نظريةَ مؤامرة، بل هي الحاجة إلى عناصرِ ضبطِ الإيقاع في عالمٍ يتهاوى تحت أقدام الدمار البيئي، والفوضى، وقرب عصر انتهاء الهِبات المجانية للطاقة الأحفورية، تعاونُ الأخوة الأعداء: يحق لي أن أقتلك!، أن أمزقك!، لكن لن أسمح لهم بمس شعرةٍ واحدةٍ منك!.

قبل أن أخوض بفك التناقض اللغوي في الجملة السابقة لندع جانباً الجدل الذي رافق مسار ظهور فيروس كوفيد ١٩ والصراعات التي دارت حول منشأه، كيفية ظهوره ليس موضوع مقالنا، عندما تأتي الرياح المؤاتية لبحارٍ عتيقٍ علق وسط المياه الساكنة لأشهر عدة، لن يسأل المتمرس عن احتمالات الغرق بأمواج البحر، ولن يسأل أيضاً عن منشأ الرياح، وكيف تولدت، فهدفه الآني أن تمشي سفينته إلى الأمام، المخاطر متوقعة في أي رحلة، هناك إحتمالٌ للنجاة من الموت مهما كان هذا الإحتمال ضئيلاً، أما بقاؤه ساكناً وسط محيطٍ قاتل فهو يعني انعدام الأمل، بل هو الموت المؤكد الذي لا فرار منه.

لذلك لنركز هنا على هدفنا، كيف تتعاون الكثير من الحكومات العالمية المتناقضة المتطاحنة مع بعضها البعض ضد تململ شعوبها، وكيف تُبقي في الآن ذاته على أهدافها في تحطيم الحكومات العدوة واستبدالها بأخرى، كيف يمكن أن يتعاون العدو مع عدوه ليحصر موته به، كأن نشهد مقاتلين اتحدا ضد من يهاجم أحدهما ثم عادا للقتال بعد زوال الخطر، لماذا يحمي الإنسان خصمه من الهدف الذي يسعى إليه؟ لماذا لا يخفف عن نفسه العبء والمخاطر ويترك خصمه يموت بيد غيره؟.

قبل الإجابة على هذا السؤال الشائك أقترح الابتعاد عن اللوحة الكبيرة المرسومة على الجدار لكي لا نغرق في فوضى الألوان المتعارضة وفي شيطان التفاصيل الصغيرة، بضع خطواتٍ إلى الوراء تكفي لكي تتحول البقع اللونية المتصارعة إلى مشهدٍ كليٍ مفهومٍ للجميع، مشهدٍ ذو معنى وذو مغزى، ورسالةٍ أراد الفنان إيصالها للمشاهدين.

اقرأ أيضاً: غير مرغوب بها.. خطرة على استقرار زواج الإنجاب! – أيهم محمود

الأرض لن تحتمل عدد البشر القاطنين فوقها، ارتفاع الحرارة فيها يهدد بدمارٍ واسع النطاق، فشلت حكومات الشعوب المتناحرة في كوكب الأرض بالوصول إلى اتفاقاتٍ بيئية توقف المصير الأسود القادم، ازداد تراكم الثروات في أيدي القلة، وبلغ النهب العالمي للمناطق الفقيرة الضعيفة أقصى مداه، لم يعد بالإمكان سرقة شيءٍ آخر، في أفغانستان خسر الأعداء الحرب، كلاً من الاتحاد السوفييتي السابق وأمريكا خرجا مذلولين منها بينما انتصر التطرف فيها، تحكم طالبان حالياً أكثر من نصف مساحة البلاد، هذا الواقع المر مرشحٌ للانتشار في كل مناطق العالم بما فيها أفريقيا والمنطقة العربية، جحيمُ سوريا والعراق لكن على نموذجٍ أكبر، وموجات هائلة من الاضطرابات والهجرات.

محاولةٌ فاشلة للهروب من هذا المشهد عبر إعادة تشكيل المنطقة بما سمي قبل سنوات الربيع العربي، أفكار جميلة عن التغيير، جميلةٌ إن بقيت حبيسةً في مكانها ولم تعبر ضفاف المتوسط لتصل إلى أوروبا، مظاهرات فرنسا، صعود أسهم اليمين في أكثر من دولة أوروبية، حال القوى الاقتصادية العالمية مثل حال تجارنا في سوريا، لا يوجد من يبيعوا لهم منتجاتهم، فالفقر وصل إلى أعلى مداه، قانون الاقتصاد الفوضوي ينتهي دائما بتوقف عجلة الإنتاج، بدأت أزمات العالم تظهر في أوروبا، كيف يمكن إيقاف تقدم اليمين فيها، كيف يمكن إيقاف تطور اليسار الجذري، الشروخ تزداد اتساعاً والمخاطر الاقتصادية قادمة لا محالة، يصعب على من أوهم نفسه والآخرين بأنه يقبل المظاهرات – مثل مظاهرات السترات الصفراء في فرنسا- أن يعلن الآن العكس، ماذا نفعل؟… شكراً كورونا.

لم يقتل كوفيد-١٩ إلا نسبة باهتة للغاية مقارنةً بما فعلت الانفلونزا الإسبانية في عالمٍ عدد سكانه أقل بكثير من عدد سكانه الحالي، ومع ذلك احتفى العالم بقدوم المنقذ المتوج، الفيروس الصغير الجميل الرائع، ازدادت ديون الحكومات بنسب كبيرة لكن لا أحد ينتقد ذلك، ولا أحد يتكلم، فكورونا اللطيف هو السبب في ارتفاع الديون وليست الأزمات الاقتصادية البيئية والبشرية، ممنوع المظاهرات، ممنوع تقليد الربيع العربي، التزموا البيوت، هاهي الشاحنات في إيطاليا معبأة بالجثث، والحكومة لا تعترف بالعدد، رعب الموت والخوف منه في كل مكان، الناس في بيوتها خائفة ونحن في سوريا كعينة شاهدة كنا نختبر ما هي المساحة الصغرى التي يمكن أن ننحشر فيها في باصات النقل العام ومع ذلك لم نشاهد الشاحنات المليئة بالجثث، ولم نشاهد أطباءنا ينهارون ويبكون، بل شاهدنا نظاماً صحياً مستقراً حتى بعد إطاحة الحرب بنصفه أو أكثر، سواء بالدمار المباشر أو لاحقاً بالحصار والعقوبات، القصة كلها أن الطبقات الحالية الحاكمة في كثير من بقاع العالم احتاجت الصغير كورونا لحمايتها.

اقرأ أيضاً: دعوة لمنع أدوات الرفاهية من قهوة وشاي ومتة – أيهم محمود

حسناً الاضطرابات خطرة حقاً، انظروا ما حدث في ليبيا، نستطيع كدول حرة دعم الحديقة الخلفية على طريقة دعم امريكا لحديقتها الخلفية في امريكا اللاتينية ومساعدة الديكتاتوريات فيها على البقاء في أوج تغنّيها بالحريات والعالم الحر، لذلك إن رأينا شعوباً تنقض على حكومة يجب أن يتم تخريب هذا الاحتجاج لكي تفهم شعوبنا أن هذا السلوك خطير، لم يقتصر استخدام هذا المبدأ على الدول الغربية بل استخدمته أيضاً بكثافة الحكومات المتصارعة المتناقضة في منطقة الشرق الأوسط، كما ترون ليس في الأمر تناقضاً أو حتى نظرية مؤامرة بل مصالح مؤسفة لغريق يحاول البقاء حياً بعد أن رمى بنفسه في وقت سابق أطواق نجاته.

لم تنتهِ المشكلة الاقتصادية، المشاكل البيئية في تفاقم، الفقر والجهل والتطرف في ازديادٍ عالميٍ مرعب، كوفيد ١٩ مجرد مسكن فقط، أو مخدر يمنح الإنسان الوهم اللذيذ قبل أن يعود الألم ليحول حياته إلى جحيم فالمشكلة مازالت قائمة والألم إنذار جيد ومفيد لكي ينتبه الانسان إلى حالته الصحية قبل فوات الأوان.

ستعود الأسئلة الصعبة مرة أخرى إلى الواجهة مع ازدياد التشبيك الرقمي في العالم، ومع ازدياد نجاحات آليات الترجمة الإلكترونية وما يتبعها من تفاعلات حرة بين الثقافات المختلفة، حظيت القوى المسيطرة عالمياً على فرصة تأخير للانفجار القادم لكنها لم تستفد منها، فمن يخلق المشكلة ويصر على استمرارها يصعب عليه إيجاد حلول تخفف على الأقل من نتائجها السلبية، تستعد دول كثيرة في العالم لإغلاق الانترنت وجعله شبكة داخلية كما فعلت جزئياً الصين وكما استعدت روسيا لسيناريو مشابه.

هذا لن يحل المشكلة، ثمة من اخترع قبل آلاف السنوات الكتابة من أجل ذات الغاية التي اخترع سلفه فيها الانترنت، من غير العالم هم الثوار الحقيقيون الذين لا يعترف معظمنا بثوراتهم الهادئة، العلماء والمبدعون في العلوم المختلفة هم من يغيرون العالم حقاً، كوفيد ١٩ مجرد ستارٍ مرحلي بعثته الطبيعة أو تم تصنيعه جزئياً في مخابر هذا لا يهم، المهم أنهم تمسكوا به كقشة إنقاذ أخيرة قبل أن يفيق المغيبون مرةً أخرى ويعاودوا طرح الأسئلة المحرجة.

اقرأ أيضاً: نخب علمية لم تَرُدّ لمجتمعها تضحيته – أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع