إنسان..موهوب – ناجي سعيد

هل أخطأت النظرية الإشتراكيّة حين فصلت مصلحة الفرد عن مصلحة المُجتمع؟

سناك سوري – ناجي سعيد

يُقال عن أحدهم: ” موهوب”، لكن نادراً ما يُسأل من وهبَه، طبعًا لأن الجواب بديهي: الله هو الواهب أو الوهّاب. حسنًا وهل على الموهوب أن يتابع ويسير في طريقٍ لكي يحافظ على هذه الأمانة؟ إذا اعتبرنا بأن الموهبة أمانة من عند الله، بالطبع فُكلّ ما يعطينا إيّاه الخالق هو أمانة يجب الحفاظ عليها، وإلاّ لما كانت الأديان اعتبرت الإنتحار كُفرًا بالله، فهو نكران وعدم الحفاظ على الروح الذي تُعتبر أغلى أمانة من عند الله.

والسؤال التالي: هل هناك مجموعة قواعد يتبعها الإنسان ليحافظ على الأمانة بشكل واضح؟ أو بالأحرى هل من معايير تُصنّف حامل الأمانة (الموهوب) ليصبح فنّانًا يحاكي وجع الناس ومعاناتهم الحياتية المعيشية؟ هذا ليس افتراضًا، فالمعروف بأنّ الفنّ هو سلوك تعويضي يقوم به الإنسان لتلبية حاجة لم تسمح له الظروف تلبيتها، فقد استخدم الإنسان منذ العصر الحجري مهارته الفنيّة من رسم ونقش وحفر على جدران الكهوف للتعبير عن حاجات معيّنة يتوق إلى تلبيتها ولو لم يُعبّر عنها، تتحوّل إلى مشاعر تسكن في منطقة اللاوعي لديه، نعم وهذه المقولة تعرّض الفنّان للمكوث في مساحة اللاإتّزان.
اقرأ أيضاً: هل ذبحت لكم أمهاتكم طير الحمام لكي تناموا؟ – ناجي سعيد

الإنسان السويّ بحسب علم النفس هو من يوظّف مهارته وموهبته لخدمة مصلحته وبالتالي مصلحة المجتمع المُتعلّقة بتحقيق مصلحته. وقد أخطأت النظرية الإشتراكيّة (برأيي) حين فصلت مصلحة الفرد عن مصلحة المُجتمع، واعتبرت بأن الفنّ إمّا أن يكون “فنّ للمجتمع” أو “فنّ للفنّ”، وهذه النظرية تخدم أيديولوجيا سياسية لتفريغ وتجويف الدوافع النفسيّة التي تحرّك الفنان، وبالتالي يتمّ تجنيد الفنّانين ونتاجهم لخدمة السياسة والفكر السياسي.

والمشكلة الكُبرى، أنّ مُجتمعنا أغرق عامّة الناس في “مُستنقع” مواجهة الهمّ المعيشي، وهذا المُستنقع يسهم في تعطيل الجزء الفعّال من الهوية الذي يُشكّل أساسًا لمواطن صالح يشارك في بناء وطن وهوّية وطنيّة، نعم فالهويّة لا يكتمل بناءها بشكلٍ سويّ إلاّ إذا لبّى الإنسان (صاحب الهويّة المقصودة) حاجاته على أنواعها كافّةً.
اقرأ أيضاً: من يعطي الأوامر للدماغ بالحركة.. ناجي سعيد

ولو افترضنا أن هذا الكلام صحيح وعلمي، فما رأينا بأشخاص موهوبين ولا يعانون من ظروف معيشيّة صعبة، لا بل هُم في مصافّ ميسوري الحال، ويقدّمون فنًّا لا فائدة منه، “لا بيقدّم ولا بيأخّر”.وهل يعني ذلك غير التعريف العلمي عن الفنّ بأنه سلوك تعويضي، لنقصٍ ما، يشعرون به، ومن قال إن النقص يقتصر على الحاجات الفيزيولوجيّة المعيشيّة!؟ فالنقص قد يكون معنوي وليس مادّي، وهذا أصعب بالطبع، فالنقص المادي عند تلبيته تكون ردّة فعل الإنسان واضحة على جسده الذي يتفاعل مع تلبية راحته وحاجاته، والتفاعلات الكيميائيّة الناجمة عن دخول الغذاء (باعتبار الطعام حاجة ماديّة) إلى جسم الإنسان، ويشبه هذا تزويد سيّارة بالوقود لتعمل.

تُشكّل أعضاء الجسم البشري منظومة وهي كماكينة متناسقة ومرتبّة، كُلّ عضو في مكانه ينجز مهمّة ليسير عمل الجسم على ما يرام. ونعود في حديثنا عن الموهبة التي يمتلكها الإنسان، حيث وهبها الله له بالطبع. هل هي تعمل من مركز عضو محدّد في جسم الإنسان؟

تقول مراجع علمية بأنّ الدماغ هو من يضع الأهداف للإنسان ليتبعها في حياته، والقلب من يربطه بها عاطفيًّا، لذا من الطبيعي أن يكون الموهوب قد وضع هدفًا في حياته بأن يكون فنّانًا، لكن لم تدخُل القيم الإنسانية في موسوعة دماغه، فالقيم التي تُحرّك “إنسانيّة” الموهوب أو الفنّان، يستقيها من ماضي تربوي أمّنه له الأهل والمُحيط. إذا وكجواب أوّلي عن سؤال من يصنع الموهوب فنّانًا: الأهل والمُحيط. لذا ليس الموهوب الفنّان هو من يصنع نفسه مع بعض الاستثناءات، والمسؤوليّة تُرمى على المجتمع بنطاق أوسع من صناعة فنّان، بل المسؤوليّة التي نفتقدها هي: “صناعة إنسان”.
اقرأ أيضاً: مابين المعارضة وردة الفعل … ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع