إمرأة وكاهنة.. دعوة للتفكير – ماريا قبارة

كل نبذ أو إقصاء هو انتهاك لمبدأ المساواة في الكرامة الإنسانية

سناك سوري -ماريا قبارة

في اللحظة التي دُعي فيها الرجل والمرأة إلى الوجود توّج عمل الخلق كلّه بكائنين بشريين متساويين ومخلوقين على “صورة الله كما يرد في سفر التكوين في الإصحاح الأول منه:«فخلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه ذكراً وأنثى خلقهم» (سفر التكوين27:1)، ليكونا جسداً واحداً.
لقد برز في القرن الماضي مفهوم للبنية الأسرية مفاده مقولات للمرأة  أنّها “للبيت، للإيلاد، للداخل، لتربية الأطفال،…، لطاعة الرجل وخدمته”. لم يكن باستطاعة أصحاب هذه النظرة فهم ما حملته الثورة الصناعية والثقافية والسياسية الداعية للمساواة بين الجِنسين على كافة الأصعدة ودعم تحرير المرأة الحقيقي.
ومن الجانب الديني الكنسيّ، سوَّق الكثيرون لنظرية الحقّ الإلهي لتبرير أفضلية الرجل في المجتمع الديني والمدني، ودعم أهليته في أداء المهام الرئيسة دون الأنثى. ظنَّ به سذاجة أنّه من التقليد، فيما كان حصيلة الانقباض الاكليروسي على ما خلفته البرجوازية آنذاك.
فإذا كانت ذكرية الكهنوت نتيجة لمتطلبات إعلان بشارة الإنجيل في بيئة ثقافية لم تحبّذ تقبّل نساء رسولات وقتئذٍ، لهو دليل على ظرفية تلك المتطلبات، لا إلى تكريس حتمي ونهائي أبدي لذكرية الخدمة الكهنوتية.
وبكلّ هذا التطور الثقافي والاجتماعي والعلمي والديني، يفترض الواقع اليوم أن نُسقط حاجز ظرفيات وعادات الماضي التي حالت دون الأنثوية في ترأس أدوار قيادية كنسية أو مناصب كهنوتية.
إنّ شريعة المسيح، وهي الحقّ الإلهي الوحيد الذي لا جدل فيه، تقوم على المحبة؛ محبة الله ومحبة القريب. فجميع البشر، بلا استثناء، مدعوون إلى تأوين إنجيل المحبة دون تمييز أو تفريق. فكلّ نبذٍ أو إقصاء لهو انتهاك لمبدأ المساواة في الكرامة الإنسانية “صورة الله” التي كانت منذ البدء.
“لو كنت تعرفين عطية الله، ومن هو الذي يقول لك أعطيني لأشرب لطلبت أنت منه فأعطاك ماءً حياً” (إنجيل يوحنا10:4). هذا ما قاله يسوع للسامرية في أحد أجمل الحوارات التي يتجلى فيها تقديره لكرامة كلّ إمرأة، وللدعوة التي تؤهلها للمشاركة في رسالته.
ألم تُسقط الكنيسة في تاريخها الطويل كلّ التمييز العنصري والعرقي والطبقي في كلّ الميادين الاجتماعية! فلم لا تُسقط اليوم هذا التمييز الجنسي في الخدم الأسرارية؟ لمَ تحتفظ بحجة التقليد وتجعله أقوى من الفهم اللاهوتي، مُدرجة الذكورية في مصاف الحقّ الإلهي؟
يورد الأب الراحل “جورج مسّوح” مجموعة الحجج التي تتمسك بها الكنائس رافضة الاعتراف بأحقيّة النساء للرسامة الكهنوتية المنوطة بالرجال وحدهم في مقاله “المرأة والكهنوت خطّان متوازيان أم متقاطعان”. ومن إحدى هذه الحجج الواهية التي يستسيغها البعض:«أنّ مريم، والدة الإله، تستحق أكثر من غيرها أن تكون كاهناً أو أسقفاً، ومع ذلك بقيت تلك المرأة المطيعة من دون مراتب كنسيّة»، يردّ الأب “مسّوح” على هذه الحِجّة بقوله:«أنّ المسيح لم يرسم أحداً أسقفاً، بل اختار رسلاً، والرسل اختاروا من أتباعهم أساقفة وشيوخاً. هذا يسمى في المنهجية عدم احترام التسلسل الزمني للواقع».

الشماسة “فيبي”

الكنيسة ليست مؤلفة من إكليريكيين أو رجال دين فقط، بل من العلمانيين، رجالاً ونساءً، إنّهم شعب الله ولديهم مهمات ومسؤوليات وفقاً للقانون الإلهي. “ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبدٌ ولا حرٌّ. ليس ذكرٌ وأنثى، لأنّكم جميعاً واحدٌ في المسيح يسوع” (رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية28:3).
ونحن خير من يعلم من التقليد أنّ الشماسية كرتبة كنسية ليست رتبة مستجدة في الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية، فقد سبق أن عهدت الكنيسة الأولى رسامة شمّاسات لمساعدة الرسل في أمور الخدمة الكنسية، ومنهم الشمّاسة فيبي “أوصي بأختنا فيبي التي هي خادمة الكنيسة التي في كنخريا” (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية1:16-2). وكانت القدّيسة تقلا أولى المبشّرات بتعليم القدّيس بولس الرسول، الذي وجّه لها أكثر من مرة التحية في رسائله، فاستحقت لقب المعادلة للرسل. فالمرأة ليست أقل من الرجل ولها حظ في المواريث.
هي دعوة للتفكير بالعادات والتقاليد والموروث الثقافي والبحث في صحته، والتمرد عليه سواء كان في المؤسسة الدينية أو الاجتماعية، وإعادة الاعتبار للمرأة سواء في العمل الديني أو في الحياة الاجتماعية.

* ماريا قبارة – أستاذة مساعدة في اللاهوت الاجتماعي- جامعة اليونان

اقرأ أيضاً: الزعيم السياسي في مصاف الآلهة – ماريا قبارة

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع