عقوبة الإعدام حلٌ أم مُشكلة؟_ ناجي سعيد

ناجي سعيد

هل يمكن معاقبة مرتكب جريمة غير واعِ، بإعدامه بوعي مُقونَنْ؟

سناك سوري-ناجي سعيد

صدر قرار عن الهيئة العامة للأمم المتحدة في 20 كانون الأول 1977 نصّ على ما يلي:
“من المهم في المرحلة الأولى تقليص عدد الجرائم التي تعاقب بعقوبة الإعدام، أما الهدف المرجوّ في نهاية المطاف فهو إلغاء هذه العقوبة إلغاءً كاملاً في كل البلدان”. (قرار رقم 2857 XXVI).
وفي عام 1991 صدر عن الأمم المتحدة معاهدة اختيارية حول عقوبة الإعدام وهي تنصّ على ما يلي
المادة الأولى: «في تشريعات جميع البلدان الموقّعة على هذه المعاهدة الاختيارية لا يُعدم أي شخص».

المادة الثانية: «على كل بلد وقّع على هذه المعاهدة أن يتخذ كل الاجراءات الضرورية لإلغاء عقوبة الإعدام في تشريعاته ومن منطلق تربوي، لابدّ أن من معرفة عدم جدوى مبدأ العقاب. فالعقاب ليس تعليميًّا، وقد يتفاجأ كثيرون من هذه المعلومة، فما هو سائد، أن العقاب هو المعلّم الأوّل للطفل.

اقرأ أيضاً: في اليوم العالمي للّاعنف..إنه نمط عيش _ ناجي سعيد

حيث أورث الجيل القديم طريقته في التربية التقليدية لمن لحقهم. فتكرّست في أذهان الناس فكرة بأن العقاب يُعلّم، وبالطبع هو لا يُعلّم. ولست أبالغ حين أبدي رأيي الرافض قطعًا، لما سمعته من السيّدة “مريم نور”، بأن الضرب من “الأم” مليء بالحنان والعاطفة. وقد روت قصة خيالية، بأن ماتت والدة أحد الأطفال، وأوصت بأن تُقطع يدها وتُلفّ بقماشة، على أن يُضرب ابنها بهذا اليد الملفوفة بالقماش، ويهذا الشكل يُضمن نموّه العاطفي بشكلٍ سليم. هذا بالنسبة لي مجرّد كلام من نسج الخيال.

فكيف يمكن لطفل موجوع من الضرب أن يخفي وجعه؟ وأن يكظم غضبه؟ فالمسار الطبيعي للمشاعر عند الإنسان، هو أن يُعبّر عنها عند الحاجة. وبيولوجيًّا، من يكبت شعورًا لمدّة معيّنة، لا بدّ من أن يأتي وقتًا وينفجر هذا الشعور بطريقة مؤذية للشخص المكبوت، ولمن حوله.

ومن هنا وبغضّ النظر عن القوانين والمراسيم التشريعيّة والدساتير، فالأذى الناتج عن انفجار الكبت، يكون أكثر أذيّةً من العنف الناتج عن شخص غير مكبوت. والفارق بسيط وواضح، فالكبت مسؤول عن تراكم مشاعر سلبية فوق مشاعر الغضب الناجم عن ردّة الفعل الأوّلية التي تشحن الشخص بردّة فعل عنيفة. لذا فقد اعتقد الناس بأن العنف مشروع للغاضب. وقد كرّس المظلومون صيغة بأن هناك ما يسمّى “عنفًا ثوريًّا”. وكأن الثورة لا تنفع بلا عنف. وقد أُشيع شعبيًّا بأن الثورة ليست ثورة بلا إراقة الدماء.

والسؤال: هل يمكننا صناعة سلام ملطّخة بالدماء؟ وكيف يكون سلامًا وقلب الناس مليئة بشعور الغضب؟ الغضب الذي يراكم انتقامًا؟ والانتقام الذي يجبله الناس بشعور لا أفهم معناه حتّى الآن: “بيشفي الغليل”!! وما معنى الغليل؟ أين يوجد هذا الشيء في جسم الإنسان؟ وما أستنتجه أن هناك مساحة من الشعور يملؤها الغضب المؤقّت فقط عند تعرّض أي إنسان لإساءة وعنف، ليشعر هذا الإنسان بالغضب العارم الذي لا يخفّفه سوى غضبًا مماثلاً، فيقال بأنه يشفي غليله!

اقرأ أيضاً: اللاعنف والصفات الواصمة_ ناجي سعيد

والمسألة المطروحة: هل يمكن صناعة سلام مليء بشفاء الغليل؟ والنتيجة تُصبح، بأن يسري قانون الغاب، فمن يقتل ندعه يقتل، لأنه يشفي غليله!! فيصبح العالم “أعمى”. كما قال غاندي: العين بالعين فيصبح العالم أعمى. والسؤال هنا على المحكّ: هل نسمح بتشريع الإعدام؟ وبالتالي يصبح العالم ليس أعمى فحسب، بل يصبح بحيرة دماء!!!.
وقد شهد لبنان الجار عدة محاولات لإلغاء عقوبة الإعدام، حيث يوجد منذ العام 2004 اقتراح قانون يرمي إلى إلغاء هذه العقوبة وإبدالها بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، ومشروع قانون مماثل من وزير العدل في العام 2008. وقد صدر قانون تنفيذ العقوبات رقم 463/2002 وجرى تعديله بالقانون رقم 183/2011، وهو بالغ الأهمية كون التعديل منح قاضي تنفيذ العقوبات حق تحويل عقوبة الإعدام إلى السجن، شرط ارتباطها بحسن السلوك والتعويضات الشخصية وإعلام أهل الضحية. وتوصي الخطة الوطنية لحقوق الانسان التي ناقشها البرلمان اللبناني في كانون الأول من العام 2012 الحكومة اللبنانية باعتماد قرار الجمعية ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ للأمم المتحدة الرقم ١٤٩/٦٢ ﺑﺸﺄﻥ ﻭقف ﺗﻨﻔيذ ﻋقوبة ﺍلإعدام، ﻭالتصديق ﻋﻠﻰ البروتوكول ﺍلاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية ﻭﺍلسياسية. وجديرٌ ذكره بأن ضغطًا مارسه المناضلان وليد صليبي وأوغاريت يونان على الصعيدين القانوني والشعبي بمحاولة إلغاء عقوبة الإعدام.

فكيف نعدم شخصًا مع سبق الإصرار “القانوني” لنقول له لا تقتل؟ وهل يمكن معاقبة مرتكب جريمة غير واعِ، بإعدامه بوعي مُقونَنْ؟ هذا وقد كان لي الحظ بالمشاركة بنشاط زيارة المحكومين بالإعدام في السجن، وقد سمعنا منهم مقترحات واعية أكثر من القوانين لطرح بدائل عن جرائم ارتكبها البعض “وهو سكران”، وتفيد المقترحات بتعويض أهل الضحيّة.. أي نعم لا يمكنهم إعادة الروح للضحية، لكن بإمكانهم تأمين العيش الكريم لعائلات الضحايا. فخسارة مُعيل لعائلة أهون شرًّا من خسارة مُعيلين، وتدمير عائلتين.

اقرأ أيضاً: التطرف ورد الفعل العنفي- ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع