إعادة بناء الهوية – أيهم محمود

صورة تعبيرية - انترنت

احترام الأراء المختلفة يبدأ بصناعة هويتنا وإعلانها على الملأ..يبدأ بإظهار الاختلاف واحترام الاختلاف

أيهم محمود – سناك سوري

مواقع التواصل الاجتماعي مختبر ضخم للعلاقات والثقافات البشرية قد يقيّمه البعض بأنه أداة استخباراتية لجمع المعلومات، هذا صحيح جزئيا ربما ولنذكر هنا الخبر الطريف الذي يتم تداوله في الفيسبوك وملخصه أنه تم تكليف عنصر مخابرات في فترة الحرب العالمية بتتبع النشاط الفكري لأحد المعارضين، كان رجل المخابرات مهنياً في متابعته لأدق التفاصيل والتحليلات التي ينشرها المعارض، قرأ كل منشوراته وكتبه لدرجة أنه اقتنع بالأفكار التي ينادي بها  وصار من أتباعه!.

حين ينشر مليارات البشر أخبارهم يصبح من المستحيل رصد كل المعلومات بشرياً لذلك يجب تطوير أنظمة ذكاء صنعي تستطيع التقاط الحالات المتطرفة ورصد توجهات البشر العامة وهنا الجانب المهم لمواقع التواصل الاجتماعي ومواقع البحث وأشهرها غوغل، معرفة اهتمامات البشر من أجل تسويق المنتجات والصناعات، ربما نحتاج سرد بعض الأفكار الأخرى لنخرج من نظرية المؤامرة التي تصل بنا أحياناً إلى اعتبار صورتنا الشخصية سراً خطيراً قد تستغله الأجهزة العالمية إن توصلت إليه.

اقرأ أيضاً: التحولات الثقافية في عصر التشبيك الرقمي- أيهم محمود

في هذا المختبر الضخم راقبتُ بعض التفاصيل المثيرة للاهتمام، تتبعت بعض المنشورات المتناقضة سياسياً وأخرى يتصارع فيها التعصب الديني مع العلمانية لأرى الأشخاص الذين يسجلون إعجابهم بها، الغريب هو تفاعل شريحة من الناس والموافقة على متناقضات لا يمكن الجمع بينها وخاصة في السياسة، هي مشكلة هوية، القضية لا تتعلق بنظام سياسي محدد بل هي مسألة ثقافية عميقة أنتجتها المحاولات الطويلة لطمس الهوية الفردية على حساب بناء المنظومات الجماعية الصلبة القاسية سواء كانت قبلية أو دينية أو سياسية، هذا الانتهاك الصارخ للفردانية عبر عقودٍ طويلة أو ربما قرون أنتج ثقافة اللاموقف، أو ربما ثقافة السلامة وهز الرأس بالموافقة لجميع المتصارعين، نستطيع نحن أيضاً إجراء أبحاثنا في هذا المختبر الكبير ولا يمنعنا أحد من فعل ذلك.

الفكرة التالية مرتبطة بالمثال في الفقرة الأولى المتعلق بعنصر الأمن الذي تابع المعارض، لنرسم الصورة التي نعشقها في شرقنا: هم يتابعون أنفاسنا ليعرفوا أسرارنا وليتها كانت فعلاً أسراراً تستحق الاهتمام، عندما نستطيع إنشاء هوية ثقافية جامعة تصبح متابعتهم لنا أمنية نرجوا دوام تحققها، جميل أن نشكل مجموعات ضغط تستطيع تعديل بعض القرارات العالمية، وجميل لو نستطيع الكتابة والنشر بجميع اللغات العالمية الحية لكي نصنع هويات مؤثرة في العالم المحيط بنا، هويات حقيقية طبيعية متعددة وليس هوية أحادية زائفة لا تؤثر في أحد، قبل ألفي عام من اختراع الانترنت استطاع السيد المسيح نقل هوية المنطقة إلى قلب روما بينما نحن اليوم نخاف على صورنا الشخصية من الاستغلال! وياليت هذا الوهم حقيقة، هناك أقمار صناعية أيضاً في السماء تستطيع رصد بيوتنا وعدد بقراتنا وخرافنا، ربما هذه أسرار أخطر من صورنا الشخصية ألا يجب أن نخاف على هذه الأسرار الخطيرة أيضاً؟ أسوةً بصورنا ونوع السلطة التي نستسيغ  طعمها إلى جانب البرغل في أثناء تناولنا طعام الغذاء.

اقرأ أيضاً : خلل الفصل في الاختلافات.. جودي ميكوفيتس نموذجاً- أيهم محمود

بعض واقعنا مرّ لذلك نحتاج بعض السخرية منه لتحليته قليلاً وجعله قابلاً للهضم، يجب علينا فعلاً احترام الأراء المختلفة واحترامها الحقيقي يبدأ بصناعة هويتنا وإعلانها على الملأ، يبدأ بإظهار الاختلاف واحترام الاختلاف لا بالنزعة التوفيقية ومحاولات تحويل الجدل الثقافي إلى مسألة خلاف شخصي يمكن لأهل الخير التدخل وحله بالدعوة إلى جلسات تبويس اللحى والشوارب!

يجب إعادة صياغة هويتنا الثقافية تدريجياً لتقبل الاختلافات الصحية في بنيتها الداخلية، يجب أن نعيد للهوية الفردية احترامها ونعيد للتجمعات الثقافية والاجتماعية مصداقيتها أمام العالم كله الذي يحاول حل أزمات المنطقة بتفصيل ألبسة لا تناسب مقاساتها لجهله بإرادة الناس فيها، ولعدم وجود هوياتٍ صلبة تستطيع مواجهته ومصارعته ثقافياً، قد تفرح الأم لتهذيب وليدها الصغير وتنفيذه كل أوامرها ونواهيها لكن إن استمر في هذا السلوك بعد سن النضج عليها أن تبكي دماً على حاله هذه وعليها أن تبكي ندماً على ما اقترفت يداها بحقه، مسألة الهوية تتجاوز السياسة بكثير فهي تنبع من أسسس ثقافية تحتاج لمراجعة شاملة ودقيقة بدءاً من أسلوب تعامل الأم مع أطفالها وانتهاءاً بدور المؤسسات الاجتماعية الكبرى المؤثرة في ثقافتنا اليومية.

اقرأ أيضاً: سوريا.. الفجوة في سوق العمل والاختلال الجندري

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع