إدلب … المملكة التي فصلت السلطة الدينية عن المدنية

إدلب ، إيبلا ، المعري … الثالوث الغريب

سناك سوري – حسان يونس

تعاني “سورية” اليوم من جراح كثيرة، لكن أكثرها عمقا وتقيّحا في هذه اللحظة، هو جرح “إدلب”، وللمفارقة فإن هذه الأرض التي شاءت الأقدار أن تكون آخر محطات المأساة السورية، قدّمت أول معاهدة سلام في التاريخ، حيث تم العثور ضمن النصوص المكتشفة في مكتبة القصر الملكي في “إيبلا” على أقدم معاهدة سلام عقدت بين “ملك إيبلا وملك أبارسال (آشور)” في القرن 24 ق.م، تحدّد بموجبها الواجبات والحقوق المترتبة على طرفي المعاهدة.
إن “إدلب” حاليا و”إيبلا” قديماً، قبل خمسة آلاف عام اشتهرتا بالزيتون، وهما تقدمان في كل شجرة زيتون معاهدة سلام لكن بؤس السياسة لا يتفق دائما مع رسائل التاريخ.

من المفارقات الأخرى المتعلقة “بادلب وإيبلا”، أن النظام الديني في “إيبلا” التي ازدهرت جنوب حلب (55) كم في الألف الثالث ق.م كان نظاماً تعدديا أجاز تعدّدُ الآلهة فقد عَبدَ سكانها آلهةً مختلفةً، منها الآلهة الكنعانية مثل “إيل ونيداكول ودجن” وإله الشمس، وككاب إله النجم، ورشف إله الطاعون والعالم السفلي، “وأشتار وعشتارت وليم وأدا (حدد) إله الطقس”، كما قدّسوا الأسلافَ والملوك، ووجد فيها نصوص أدبية أسطورية، بالإضافة لترانيم وتفسيرات دينية احتوت على آلهة من وادي الرافدين مثل : “إنكي، إنيليل، اوتو، إنانا، مردوخ، تيامات”.
لهذا يمكن اعتبار “إيبلا” البوتقة التي انصهرت فيها الأديان في سائر إقليم الهلال الخصيب، وهو ما يتناسب مع دورها كقلب حضاري، تلتقي فيه مجموعة شرايين حضارية تجارية، امتدت من نهر الفرات شرقاً حتى سواحل المتوسط غرباً، ومن طوروس حتى سيناء، فكانت مدينة ماري على الفرات شمال البوكمال خلال فترة من الفترات خاضعة لها، وكان ميناء أوغاريت على المتوسط تؤمّه السفن التي تحمل الذهب إلى إيبلا، فاجتمعت في أسواقها البضائع من كافة أرجاء الإقليم، بالتوازي مع تجمّع كافة عبادات الإقليم في معابدها.

اقرأ أيضاً: الطقوس الدينية والطبيعة السورية القائمة على التنوع – حسان يونس

مملكة إيبلا

ومن سخرية التاريخ أن “إدلب” اليوم، وعلى النقيض من “إيبلا”، تخضع لأصولية دينية متزمتّة بشكل قل نظيره في تاريخ البلاد قديما وحديثا، وتشكل مخزنا لتجميع العناصر المتطرفة من كافة أرجاء الشرق بما في ذلك متطرفي الإيغور القادمين من شرق الصين.

ولمزيد من سخرية التاريخ عرفت “إيبلا” (كسائر المراكز التجارية التي عرفها الفينيقيون لاحقا وكتدمر) نظام حكم متطور ذات تسلسل هرمي انفصلت فيه السّلطة الدينيّة عن المدنية، كما انفصلت فيه سلطة الملك عن سلطة مجلس الشيوخ وعن سلطة حكام المقاطعات، فكان الملك رأس الدولة، وإلى جانب الملك كان مجلس (الآبا)، وهو يعادل مجلس الشيوخ، وكانت مهمّته مراقبة ممارسات الملك للسلطة. ويلي الملك في المرتبة مسؤول يدعى (لوغال) أو حاكم المقاطعة، وتذكر النصوص أربعة عشر حاكما يحكمون أربع عشرة مقاطعة.

لقد دُمّرت إيبلا 2250 ق.م وأحرقت على يد الملك الأكادي “نارام سين” حفيد “سرجون الأكادي” كجزء من النزاع القديم الجديد على خطوط التجارة، لكن أصالة حضارتها لم تمت، فأعيد بناء المدينة في الفترة (1600 1900) ق.م،‏ وصارت من المدن المهمة في المنطقة، كما أُقيم في الجزء المنخفض من المدينة منطقة مقدّسة كُرّست للإلهة عشتار،‏ لكن الحثيين القادمين من الأناضول أعادوا إحراق المدينة وتدميرها خلال اجتياحهم للمنطقة، رغم ذلك لم تمت حضارة إيبلا، ذلك أن منظومتها المتطورة التي تفصل السلطات وتفصل الشؤون الدينية عن تلك الدنيوية، رأيناها تنسكب في فكر “أبي العلاء المعري” البصير رغم العمى، هذا الفيلسوف العلماني بحق القادم من أعماق التاريخ إلى المستقبل حاملاً معه شعلة الحضارة الإيبلاوية، التي تأبى أن تنطفئ رغم كل ظلامية حروب “نارام سين” وحروب “الحثيين” وحروب “الفرس الساسانيين” و”البيزنطيين” (التي خلفت المدن المنسية في إدلب) ورغم ظلامية التطرف الديني الذي حول إدلب إلى مكب نفايات للمشاريع الإقليمية الفاسدة.

اقرأ أيضاً: إراقة دم المدنية السورية بسيف البداوة- حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع