إدلب:المصير الأسود لـ ثاني محافظة تسيطر عليها “المعارضة”

28 آذار الذكرى الثالثة لسيطرة المعارضة على إدلب

سناك سوري – بلال سليطين

في مثل هذا اليوم من عام 2015 أكملت الفصائل والكتائب الإسلامية المعارضة سيطرتها على محافظة “إدلب” شمال سوريا وأصبحت ثاني مدينة تسيطر عليها بعد “الرقة” التي انسحبت منها وتركتها لـ “داعش” في وقت سابق من العام 2014.

شكلت “إدلب” مع ريف حماة الشمالي وريف حلب الشمالي والغربي أكبر بقعة جغرافية متصلة تسيطر عليها المعارضة المكونة من فصائل عديدة حينها أبرزها “جبهة النصرة، أحرار الشام الإسلامية، نور الدين زنكي، جند الأقصى، الحزب الإسلامي التركستاني … إلخ” وجميعها كانت تنضوي تحت اسم “جيش الفتح”، ونتج عن هذه السيطرة نزوح أكثر من 400 ألف مدني من محافظة “إدلب” إضافة إلى آخرين كانوا قد نزحوا إليها من “حلب” في وقت سابق ليشهدوا النزوح مرة ثانية.

خلال السنوات الثلاث الماضية لم تشهد إدلب أي معارك تذكر باستثناء الغارات الجوية، وحدها مناطق “ريف حماة” وكذلك “ريف حلب” شهدت معارك كانت محدودة نسبياً ولم تمتد إلى “إدلب” باستثناء المعركة التي جرت مؤخراً وانتهت عند حدود مطار “أبو الضهور” من الشمال.

خلال السنوات الثلاث الماضية عاشت “إدلب” تناقضاً رهيباً بين تيارين متباينين تماماً الأول مدني مهتم بقضايا الحريات والتنمية والعدالة والحوكمة، والآخر ديني فصائلي يتدخل بالحياة اليومية للناس وكذلك عاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم الدينية ويضيق على حرياتهم الفردية والجماعية.

التيار المدني لم يكن يرى في التيار الديني الفصائلي أي خطر عليه قبل السيطرة على “إدلب” بل كان داعما ًومؤيداً له، أما التيار الثاني فكان لا يكيل وزناً أو قيمة لدور الأول ويعتبره أداةً في يده، وبالتالي رحنا نشهد موجة اعتقالات بحق الإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني وتضييق على منظمات وفتح المجال أمام أخرى مثل “سواعد الخير” التي باتت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة لنساء “إدلب”، وصدرت الفتاوى يميناً وشمالاً وكان من بينها منع الفتيات فوق سن العاشرة من اللعب بألعاب العيد في أريحا على سبيل المثال.

اقرأ أيضاً: إدلب: حرمان البنات فوق العاشرة من دخول مدينة الملاهي

لم تكن “إدلب” مستسلمة لواقعها الجديد، في “معرة النعمان” التي شهدت حراكاً نسائياً قوياً ومظاهرات ضد الكتائب الإسلامية، وفي سراقب التي شهدت انتخابات مجلس محلي شكلت علامة فارقة في الشمال، وبعض المحاولات لناشطات من مضايا والزبداني كن قد نزحن إلى إدلب بعد الاتفاقية الشهيرة باسم البلدات الأربعة.

وكذلك شهدنا حملات ضد تجنيد الأطفال بالمعارك من قبل الفصائل وأخرى ضد بيع السلاح العشوائي، وكذلك حملات ضد الملثمين وتزويج القاصرات، لكن جميعها لم تحقق الغاية المرجوة منها وإن كانت قد تركت بصمة.

في ضوء كل ذلك كانت الحالة الأمنية تزداد تردياً مع تراجع حاد في مستوى الخدمات، فشهدنا الخطف والسرقة وحتى حوادث الاغتصاب، وفوق ذلك الاغتيالات، بينما لم تنجح السلطات الجديدة في تأمين الخدمات المتمثلة بالماء والكهرباء وحتى الصرف الصحي إضافة للمحروقات وغيرها رغم الدعم الكبير التي كانت تحظى به، في ظل غياب تام للرقابة على أجهزة الحكم المحلي القائمة في تلك المناطق.

اقرأ أيضاً: بالصور: تعفيش (شرعي) لمؤسسات الدولة

وتحولت بعض منظمات المجتمع المدني إلى أشبه بمؤسسات دولة وتعاملت مع الواقع وكأنها هي الدولة لكن ارتباطها بالممول جعلها أبعد بكثير عن أن تكون الدولة وذلك لتباين الدور، وكان من المفارقات العجيبة أننا شهدنا إغلاق مخفر شرطة في الشمال السوري بسبب توقف المنظمة عن تمويل عناصره!!، وهي سابقة من نوعها أن يغلق مخفر شرطة.

لم تعرف “إدلب” الاستقرار خلال السنوات الثلاث الماضية وعانت من الاقتتال الداخلي بين الفصائل، فتارةً تنشب معارك بين جند الأقصى وأحرار الشام، وتارةً أخرى بين أحرار الشام وجبهة النصرة، ولاحقاً بين هيئة تحرير الشام وحركة نور الدين زنكي التي انشقت عنها، ومؤخراً (مستمرة إلى الآن) معارك هيئة تحرير الشام وجبهة تحرير سوريا.

الأزمات لم تقتصر على الاقتتال الفصائلي فقد امتد لاشتباك من نوع آخر بين الهيئات التمثيلية وأجهزة الحكم المحلي فشهدنا حكومتين في الشمال الغارق بالأزمات، واحدة تدار من الخارج وتتبع للائتلاف يقودها “جواد أبو حطب” والثانية في داخل إدلب وتدعم من هيئة تحرير الشام ويقودها “محمد الشيخ”.

اقرأ أيضاً: هل نشهد اندماجاً بين حكومتي الائتلاف والإنقاذ؟!

“إدلب” المحافظة الكاملة التي تسيطر عليها الفصائل والكتائب الإسلامية المعارضة باتت وجهة جميع المقاتلين المرحَّلين بموجب التسويات، فجاؤوا إليها من حمص، والغوطة، وقدسيا، الهامة، القلمون … إلخ، حتى باتت أكبر خزان بالمقاتلين في سوريا، وقد أصبح حجم المقاتلين هذا عبئاً عليها فالأنظار كلها تتجه إليها وسط مخاوف الأهالي الذين لم يرتاحوا يوماً من المعارك فرغم توقف الاشتباكات على الأرض بين الحكومة والمعارضة خلال السنوات الثلاث الماضية إلا أنها لم تتوقف يوماً بين الفصائل خلال هذه السنوات وهو اقتتال مستمر ومرجح لمزيد من التصعيد، مع احتمالية بدء معركة تقودها القوات الحكومية في أية لحظة.

أما سكان “إدلب” فقد غادرها مايزيد عن نصفهم وفي بعض المناطق يزيد عن هذا الرقم، ويعيش بعضهم في حماة وحلب ويعانون أزمات النزوح واستحالة العودة، بينما يعيش البعض الآخر في تركيا وقسم في أوروبا.

أيضاً كان لـ لقاء أستانا دور في محافظة “إدلب” وقد نتج عنه انتشار الجيش التركي في عدد من النقاط الاستراتيجية داخل المحافظة بحجة أنها نقاط مراقبة لوقف إطلاق نار لم تعرفه “إدلب” منذ سنوات حتى اليوم.

اقرأ أيضاً: تركيا تبتلع إدلب… نقطة عسكرية تركية إلى “وادي الضيف” تحت غطاء جوي روسي

بعد ثلاث سنوات من خروجها عن سيطرة الحكومة لم تعرف “إدلب” الحرية ولا الاستقرار، بل عرفت القلق والمعارك والتضييق على الحريات وحتى الاعتقالات وغياب المحاكمات العادلة والمدنية، وكذلك لم ينعم أهلها بالخدمات، ولم يرتاحوا من الفساد الذي خرجوا ضده في كثير من المواقع  ومنها سراقب التي شهدت مظاهرات ضد المجالس المحلية، وغير ذلك الكثير من الوقائع التي سجلت أحداث خلال السنوات الماضية من الصعب ذكرها.

في داخل “إدلب” ينظرون إلى الواقع على أنه أسود، وينظرون إلى المصير أيضاً على أنه أسود، ويشترك معهم في ذلك من ينظرون إلى “إدلب” من الخارج فهم يرون مصيرها أسود أيضاً، قد تخطئ النظرة وهذا مايتمناه كثر، لكن مالايمكن أن يخطئ هو أن أهالي “إدلب” لم يكونوا يوماً ينشدون هذا الواقع الأسود ولا ذاك المصير فهم انتفضوا في يوم من الأيام ضد الحكومة طامحين للأفضل حتى باعتراف الحكومة ذاتها التي وصفت مطالبهم يوماً بأنها محقة، نعم لقد خسروا كثيراً إلا أنهم كسبوا في كثير من المواقع شجاعة المواجهة وواجهوا هذا الواقع والفصائل المتشددة التي تعدت على حريتهم.

اقرأ أيضاً: مظاهرة ضد تحرير الشام في إدلب والسبب؟

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *