“أولادنا.. فلذات أكبادنا” – نايلة حلاني

قبل توجيه النقد لأبنائنا تعالوا نتذكر من رباهم

سناك سوري – نايلة حلاني

عندما بدأت بالتدريس، لم تكن لديّ النية بالاستمرار به إذ كان حلمي أن أخوض معترك الصحافة وكان التعليم قبل الظهر خياراً مناسباً برأيي لحين حصولي على الإجازة.

اتفقت أنا والمدير على الصفوف والحصص والراتب أول الصيف، وجاء تشرين الأول مبشّراً ببداية مختلفة كوني سوف أبدأ العمل للمرة الأولى في حياتي.

لم يكن هذا النهار يوماً إعتيادياً.. كان مفصليّاً في تحديد مساري المستقبلي إذ اتخذت لحظة دخولي إلى الصف ووقوفي أمام تلامذتي الصغار قراراً مصيريّاً لأنني اكتشفت حينئذ أنني أعشق التعليم ولم أولد إلا لأداء هذه الرسالة.

كنت أذهب كل يوم إلى المدرسة وقلبي يرقص من الفرحة لأنني سألتقي بصغاري وأعلّمهم ما يجهلون.

كنت يومها في الثامنة عشر من عمري…

ومرّت السنوات، وتبّدلت الأيام، وتتابعت الأجيال، وتغيّرت المفاهيم، وصرت ألاحظ شرخاً ملفتاً بين الماضي والحاضر.

ما زلت أعشق رسالتي وأحب تلاميذي وسيبقى التعليم يسري في عروقي مجرى الدم، إنما أراني أنظر بقلق عارم إلى مستقبل الوطن.

أرى التلاميذ يجهلون معنى “القيَم” التي تميّز المجتمعات المتحضّرة عن باقي المجتمعات، فأولادنا بالإجمال يجهلون معنى الإحترام والمحبة والتسامح وتقدير الذات والثقة. ربما يقول لي أحدهم:”بكرا بيكبروا، بيتعلّموا” وأجيبه:”يا زميلي العزيز، العلم في الصغر كالنقش في الحجر”.

والعلم لا يقتصر فقط على الأبجدية أو على الرياضيات أو على غيرهما من العلوم، فمهمّتنا تقتضي أيضاً بناء الإنسان قبل ملء عقله لأن العلم المقرون بسوء الخلق أخطر على الأوطان من الجهل.

تُرى ما هي الأسباب التي تقف وراء هذا التقهقر الأخلاقي؟

لدينا العديد من العوامل المؤثرة ولكن لا يتسع المجال لسردها كلّها:

التربية الصحيحة غائبة الى حدّ كبير في المنازل ونجد الأهل في استقالة شبه كاملة عن دورهم التربوي ليس بسبب نقصٍ بمحبّتهم ولكن بسبب جهلٍ غير مقصود بدورهم الحقيقي في تنمية شخصية أبنائهم.

كيف أعلّم أولادي الإحترام إذا لم أحترمهم؟ كيف أرسم لهم الحدود الواضحة عندما أتعاطى معهم بمزاجية متذرّعاً بالتعب تارة وبالانشغال تارة أخرى؟

كيف أرسّخ تقدير الذات عند أطفالي وأنا أعلّمهم الرشوة عندما أعدهم بهدية أو بمبلغ من المال إذا كانت نتيجتهم جيّدة؟

كيف أنمّي شخصيّتهم وأنا أتعاطى معهم بسخافة أو بسخرية أو بعنف؟

هذه أمثلة نجدها للأسف الشديد في غالبية بيوتنا: التعامل بقلة احترام، الرشوة، السخرية، العنف… هذا عدا التعاطي الهستيري غالبية الوقت بحجة الارهاق.

عدم وجود الأهل في يوميات أولادهم و سيطرة العاملات الأجنبيات على نظام المنازل لدرجة أن الأم استقالت إلى حدّ كبير من أمومتها حتى تتفرّغ لــ”واجباتها الإجتماعية” على الأغلب. هذا من ناحية.

من ناحية أخرى، يغيب الأب في عمله لفترات طويلة وينقطع التواصل مع أولاده فيتحوّل في آخر الأمر إلى مموّل فقط يجلب لهم الكثير من “الأشياء” التافهة بينما يحرمهم من الأهم: وقته واهتمامه الفعلي.

هل هذا يبرّئ المدرّسين؟ أبداً!

فهم يملكون من السلطة أكثر مما يملكه الأهل شرط أن يحسنوا استخدامها.

تريدون من تلامذتكم الإصغاء؟ أصغوا إليهم وأحبّوهم وتكلّموا لغتهم.. فهم ينتمون لجيل غير جيلكم ولزمان غير زمانكم فتغاضوا عن المقارنة لأنها لا تجدي نفعاً بل على العكس، تزيد الهوّة اتّساعاً، ولا تهدروا طاقتكم بانتقادهم فهم بحاجة إلى نماذج أكثر من حاجتهم إلى منتقدين.

الإعلام ثم الإعلام ثم الإعلام ثم الإعلام!!! التلاعب بالعقول الذي يطالنا جميعاً و يقلب تفكير الكبار فكيف بالأحرى هؤلاء الأطفال والمراهقين الذين لا يعرفون التمييز بين الحقيقة و التلفيق؟

والخطير أيضاً هو ضخّ هذا الكم الهائل من التفاهة عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لدرجة إقناع فلذات أكبادنا بأن الغباء والسفه والبلاهة هي من الصفات الجيّدة ممّا يدفع الأولاد إلى تقليد كل ما هو تافه بطريقة ببغائية غير مدركين أنّهم بهذا العمل تنازلوا عن شخصيّتهم الجميلة لتحلّ مكانها صورة بلهاء لا توحي بالقيمة الإنسانية الراقية.

لا أفهم كيف لم نحرّك ساكناً بعد بمواجهة هذا الخطر المريع الذي يشوّه المفاهيم الحضارية ويزرع بذور الغباء وانعدام الإنسانية في عقول أولادنا!

الأجهزة الذكية كالهاتف الذكي والحاسوب والألواح الذكية التي نعتبرها من علامات “التمدّن” والتي سرقت من أطفالنا طفولتهم!

أين هم أطفالنا؟ أصبحوا سجناء أغبياء لشاشات ذكية تأسرهم لساعات وتجبرهم على الإنتقال إلى بُعد وهمي يفصلهم كليّاً عن الواقع وبالتالي يفقدون اتصالهم بكل ما هو حقيقيّ.

فلنهبّ إذاً لإنقاذ أبنائنا ولنحبّهم كثيراً لأنهم بحاجة ماسة إلى عاطفتنا الصادقة ومحبّتنا النقيّة ولنرحمهم لأنهم صغار ولنمدّ لهم يدنا ولنضئ لهم الطريق بتفهّمنا وإصغائنا.

و قبل توجيه النقد لهذا الجيل الجامح، لنتذكّر دائماً من أنشأه وسهر على تربيته

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *