أنا معصب كثير – ناجي سعيد

ناجي سعيد

كيف نلجم طريقتنا العنفية المؤذية؟

سناك سوري-ناجي سعيد

لم أتفاجأ بسؤال “سماح” خلال إحدى التدريبات التي قدمتها حول “تحويل النزاع”، فـ”سماح” ناشطة تتابع مع “مجموعة عمل” من مجتمعهم المحلّي في مدينة طرابلس، والسؤال العادي هو: “كيف أستطيع ضبط أعصابي مع الآخرين؟ وأبقى هادئة؟”.

وبطبيعة الحال، لم أعطها وصفة طبيّة، تتناول حبّة أو اثنين بعد الغذاء فتصبح هادئة، مسيطرة على أعصابها. فضبط الأعصاب ليس حلاًّ لموضوع التفريغ الإنفعالي، والتفريغ هنا هو لشحنة عصبية، يلجمها العقل بشكل مؤقّت حفاظًا على صورة الشخص في المجتمع.

ولكنّ اللجم هنا يكون للطريقة العنيفة المؤذية للآخرين، ولا يلغي الطُرق الأخرى للتعبير. فمن الممكن _ وهذا طبيعي ومفيد_ أن يعبّر الإنسان عن إنفعالاته بطُرُق فنيّة يكون نتاجها أعمالاً فنيّة. فلقد سمعنا من قبل عن جنون مشاهير الفن في ابتكار طرق للتعبير عن انفعالاتهم ومشاعرهم. من لم يسمع بـ”فان غوخ” الذي قطع أذنه وأرسلها لحبيبته ليعبّر لها بجنون عن الحبّ. أو بيكاسو الذي صبغ جسده بلون أزرق ليعبّر أيضًا عن شغفه وهوسه بهذا اللون. وهو يرمز إلى “الذكوريّة”.

ولكن ما أودّ الحديث عنه، هو “خبريات” سمعتها كثيرًا عن أشخاص يلجأون إلى تكسير بعض الأواني الزجاجية، لتفريغ انفعالاتهم وعصبيّتهم في علاقاتهم العائلية أغلب الأحيان. وقد نصادف رجلاً أو إمرأة، ت/يكبت انفعاله/ها وغضبه/ها، وهذا مشهد طبيعي وعادي في خضمّ صعوبات الحياة اليومية التي نعيشها. لكن من المستغرب لديّ، التناقض في آراء المتخصّصين حول هذا الموضوع.

اقرأ أيضاً: التربية… والمُربي – ناجي سعيد

فعندما طُلب منّي الكتابة عن هذا الموضوع، فوجئت بمقال كتبته الصحفية “حسناء الشيمي”، ونشره لها موقع “كونسيلتو” الإلكتروني المختصّ بالصحة النفسية، وقد ورد في مقالتها: «عندما يكتم الشخص غضبه وحزنه وآلامه وانفعالاته تجتمع لديه ضغوط كثيرة ولا يعود قادرًا حتى على التعبير عن نفسه، فبالتالي يكون أكثر عرضة للعنف والعصبية بشكل دائم ودون مبرر واضح للآخرين، وفقًا للدكتور سعيد عبد العظيم، أستاذ الطب النفسي بالقصر العيني جامعة القاهرة»،

كلام قريب من المنطق، لكن لدى بعض الناس، فآخرون رأيهم مغاير لذلك، فقد قرأت في منتدى إلكتروني يُدعى “زيدوني” (وأنا لا أثق بمعلومات المنتديات)، أنه في دراسة أُجريت على عيّنة قوامها 145 طالبا وطالبة كويتيين من طلاب جامعة الكويت تتراوح أعمارهم بين 17 و 28 عاما، أفادت الدراسة «أن ضبط الغضب يمثل موقفًا وسطًا فى التعامل مع مشاعر الغضب بين الكبت والإظهار، كما يشير إلى قدرة الفرد على السيطرة على غضبه، وإلى حكمته فى اختيار الزمان والمكان والكيفية المناسبة التى تؤدى إلى توافق سليم مع الموقف دون أن يؤدى ذلك إلى الإضرار بصحة الفرد النفسية والبدنية».

إذًا، فالمعركة هنا في جسم الإنسان، بين العقل والقلب، أو المشاعر. هذا لو فرضنا أن المشاعر تصدر من القلب. فالعلم يقول: العقل يضع أهداف الإنسان والقلب يجعله يُحبّها. لذا من السهل على الناس التي لا تُجهِد عقلها بالتفكير، أن تستسلم لقرارات موروثة دون أن تُحدث تغييرًا وتعديلاً يلائمها. والثغرة في إدارة مشاعر الإنسان، أنّ المسؤول عن هذه الإدارة هو القلب في غالب الأحيان.

ويختلف المجتمع الغربي عن المجتمع الشرقي، بأنّ العالم الغربي أخذ بعين الإعتبار هذا الموضوع في المجال التربوي. فنرى الأطفال يتعلّمون في المناهج الدراسية، التعبير السليم عن المشاعر، فيتكرّس هذا في حياتهم اليومية المُعاشة. فلو صادفت الفرد في الغرب مشكلة وأراد التعبير عن غضبه، يعبّر بطريقة لاعنفيّة لا تؤذي الآخر، فهل صادفتم إنسانًا شرقيًّا غاضب من شخص آخر، وقال له “الأرض كرويّة”؟ هذا ما تعلّمه في المدرسة منذ الصغر، ويغضب المُدرّس حين يسأله طالب مُتّقد الذكاء: “شو بيفيدونا هودي بحياتنا؟”.

فالذكاء العاطفي لدى الطلاب صغار السنّ، أعلى من نسبة ذكاء البالغين. وفي تجربتي المتواضعة خلال تربية ابنتي، حين كانت توافق على طلب منّي وتظهر الطاعة، كنت أبادرها بالسؤال: لماذا وافقتي مباشرة دون أن تعترضي؟ وما كنت أفعله قد يظنّ البعض تهديدًا للسلطة الأبوية، بينما أنا أعتبره إكساب ابنتي مهارة “التفكير النقدي”، وإبعادها عن الإنفعال العشوائي التدميري، الذي يوحي بمحاولة إلغاء الآخر ويسدّ منافذ الحوار مع الآخر. أليس الحوار أحد أهمّ أعمدة اللاعنف؟ نعم فأنا أؤمن بالحوار البنّاء الإيجابي الذي يحترم الطرفين، اللّهم إلاّ من اغتصب أرضًا وحاول تزوير التاريخ، فتاريخنا ناصع.. اللاعنف.

اقرأ أيضاً: عن عُنف الشارِع والجوع وسوء السلطة – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع