أمي كانت تعتقد أن مذيع النشرة الجوية يلاحقها من التلفاز

عدنان حمدان مقدم النشرة الجوية بالتلفزيون السوري قديماً

جارنا حين سأله الفيسبوك بماذا تفكر، أجاب في منشور: بهيفا وهبي.. سنعتاد وسيعتادون التكنولوجيا يوماً ما!

سناك سوري _ شعيب أحمد

التعامل مع التكنولوجيا في هذه القرية لم يتغير منذ ثمانينات القرن الماضي، ففي السابق بالقرية التي أسكن بها جنوب غرب البلاد، كان ينظر للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي كما كان يُنظر، قبل سنوات، لزوجة جاري الطيبة (سعدة المحمّرة).

حين قدمت للقرية كانت بلا حجاب وترتدي بنطال جينز وتضع الكثير من الحُمرة على وجنتيها، ما جعل المجتمع الجديد بالنسبة لها يناديها “سعدة المحمّرة”، فكان الكل ينظر إليها كما لو كان ينظر الى مخلوق غريب، حتى أن النسوة في الحي كنَّ يلقينّ السلام عليها بحذر، ومع مرور الوقت بات الجميع يعتادها كأي أخرى محلية عادية، حتى أن الجلسات النسائية من دونها أصبحت ناقصة، وذلك حين ارتدت حجاباً وتدثرت بلباس سميك وشرعت تحلب بقرة اشتراها لها زوجها، كما تفعل باقي النسوة، فأصبحت قروية أكثر من سكان القرية أنفسهم.

في الثمانينيات والتسعينيات كان ينظر للتكنولوجيا التي بدأت تدخل القرية مثل التلفاز ومن بعده الهاتف نصف الآلي ومن ثم الآلي كما كان ينظر لـ”سعدة”.

أذكر حين دخل التلفاز منزلنا كان ذاك الصندوق الصغير الذي يتكلم إثنا عشرة ساعة بلا تعب ضيف ثقيل على والدتي، فكانت أينما جلست في الغرفة يلاحقها مذيع النشرة الجوية بنظراته، لهذا كانت تحمل نفسها وتغادر الغرفة، وحين لم تتوقف تلك النظرات رفضت متابعة النشرة الجوية لأكثر من خمس سنوات. توفي والدي رحمه الله ولم تتمكن أمي من إخباره أن ضيفه “عدنان حمدان” مذيع النشرة الجوية في التلفزيون السوري كان ضيفاً “سيء الخلق” و “بعينان زائغتان”.

اقرأ أيضاً: الاحتيال الفيسبوكي مهنة جديدة قد تكسبك دولارات

في حين كان والدي خلال تلك السنوات لا يخفي حبه الشديد للمطربة اللبنانية “سميرة توفيق” فكان يقوم بغمزها أمام والدتي حين تطل على الشاشة لتغني أغنيتها الشهيرة “أسمر يا حلو”، ويحرص والدي على إغاظة والدتي بهز رأسه طرباً و القول (إنها تخصني بالغناء)، ثم يتبع ذلك بغمز المغنية بعينه في التوقيت الذي يعلم أنها ستقوم بإرسال غمزتها المعتادة لمشاهديها أمام الكاميرا. مرت الأيام و قبل بضعة سنوات فقط أدركت أمي أن لا “عدنان حمدان” يراها ولا “سميرة توفيق” تغني لوالدي أو تلاطفه كما كانت تعتقد.

لم تكن عائلتي العائلة الوحيدة في القرية ممن تركت التكنولوجيا ذكريات لطيفة في حياتهم. فـ”أبو صالح” إمام القرية كان له هو الآخر ذكريات دامية معها، كان ما إن صعد على المنبر حتى حمل لسانه الحاد كالشفرة وبات يحارب ذاك الصندوق، حتى أنه أفتى ذات مرة أن التلفاز هو الأعور الدجال.

في النصف الثاني من التسعينيات حث الناس في القرية على تحطيم التلفاز لما ينقله من خلاعة وفجور، وقد جاءت دعوته تلك بعد عدم جدوى مطالبته بمقاطعة المسلسلات البدوية التي تقوم ببثها الإذاعة الرسمية للمملكة الأردنية الهاشمية، لأنها برأيه تثير مفسدة الفتيات ممن يذهبن لنقل الماء على رؤوسهن من نبع القرية الوحيد، فيقلدنّ تلك الدراما في الحديث مع عابري السبيل، وبالفعل لم يكذّب بعض أتباعه في القرية تلك الأفكار فقاموا بتحطيم جميع أجهزة التلفزة في منازلهم ومنازل من يخصونهم.

اقرأ أيضاً: تحدي التفاهة على عرش المنصات الافتراضية

لكن ومع بداية الألفية الجديدة وحتى اليوم لا يتعب “أبو صالح” من الحديث أمام وسائل الإعلام المحلية، حين تزور القرية كل حين لنقل شكواه ومشاكل القرية للحكومة.

ليس اليوم بأحسن حال من البارحة، فالبساطة أحيانا يتم توارثها كما لو بالرضاعة، قبل أيام قام شاب في الحي بإنشاء حسابه الأول عبر فيسبوك، وحين سأله فيسبوك (بماذا تفكر؟) كإجراء معتاد للبدء في مباشرة اليوميات، كتب بعفوية (أفكر في هيفا وهبي)، ولم يكتفِ بهذا بل قام بإنشاء حساب لزوجته وراحا يتبادلان رسائلهما الخاصة على صفحة اليوميات العامة، و منذ أيام و حتى الآن أصبح المسكينان حديث السوشل ميديا و (المضافات ميديا) المنتشرة في كل القرية.

بعد أيام سيعتاد الجميع الأمر، حتى الأجهزة التي تحارب التكنولوجيا لمساعي مختلفة ستعتادها ذات يوم، فالكل هنا من الأسفل إلى الأعلى يخاف التكنولوجيا، ولا أحد باستطاعته إنكار ذلك، ومخاوف الجميع هنا مرتبطة بطبيعة متأصلة بتكوين المجتمع.

ففي هذه القرية الكبيرة التي نعيش بها اليوم، لازال قسم كبير يرى وسائل التواصل الاجتماعي دخيل غريب مادام أنه لا يتدثر بلباس العادات والتقاليد، فهناك من لازال يعتقد أن النشرة الجوية هي لكشف الخصوصية فآثر الانغلاق على نفسه دون مواجهة مشاكله وفهم الحقيقة، وهناك من لازال ينجرُّ وراء الاستعراضات فيتلقى كل إيحاءات البروباغاندا وغمزاتها، وهناك من هم أكثر بساطة حيث أقصى تفكيرهم هو متابعة الموضة والستايل وأخبار الفنانين، و بيننا أيضاً يعيش من لازالوا يحملون عقدهم القديمة مع عصيهم ومطارقهم لخوفهم من أي شيء قد تجلبه التكنولوجيا فتنسف عاداتهم.

المشكلة اليوم ليست في هؤلاء، فهم حال أي مجتمع بسيط، المشكلة التي ينبغي أن يفهمها الجميع أن الجمهور قد يسامح في كل شيء باستثناء قيام أحدهم منع سلوك كانوا يرتابون منه في الماضي ثم اعتادوه.

اقرأ أيضاً: في سوريا سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يهدد أسراً بأكملها

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع