أمام الطوابير.. أقترفُ جريمة الأمل _ أيهم محمود

أيهم محمود

زمنٍ يضيع فيه الوقت من أجل ربطة خبزٍ هنا وأسطوانة غاز هناك.. قتلٌ ممنهج لطاقة مجتمع يقف على حواف الضياع

سناك سوري- أيهم محمود

لن أتحدث اليوم عن موضوع عام بل عن أمر شخصي خاص، سأحدثكم عن “بلال” الذي يرسل إلى بريدي جملة صغيرة: صباح الخير أو مساء الخير فأوقن أن ساعاتي معدودة، أنا المذنب بجرم التأخر في إرسال مقالة، تسرقني الحياة اليومية والتزاماتها حتى أجد نفسي أمام التحية اللطيفة القاطعة كنصلٍ حاد، لا مجال للهرب أو الاختباء، يظن بلال أنه حاصرني لكن لدي دائماً الورقة الرابحة: الفرن!؟.

على الفرن أملك ما يقارب الساعتين من الانتظار من أجل ربطتين من الخبز ولدي حلان لا ثالث لهما: إما أن أستمع للشتائم والصراعات التي تدور في المحيط حولي وتصل إلى حد العنف المفرط واستخدام السلاح الأبيض أحياناً أو أستغل الوقت في نشاط آخر، قراءة كتاب، أو كتابة مقال وتسليمه لبلال، في صف الانتظار الطويل الذي يقتل الروح أستعين بالكلمات التي تقرؤها الآن لكي لا يقتلني الزمن المخصص للعبث، المخصص للجنون الذي يحدث أمامي وأنا أشاهد خطوط اللاعودة تعصف بالمجتمع الصغير في هذا المكان الذي يختصر حكاية حرب، وأنا أشاهد الصدوع والشروخ في أحجار هذه البلاد التي سيصعب ترميمها أو ستحتاج إلى عدة عقود قبل أن تنغلق جراح الفوضى وجراح الجهل، على الفرن وخوفاً من تحية بلال اللطيفة أهرب من حزني على ما يجري أمامي وأقترف جريمة الأمل، جريمة الكلمة المكتوبة في عالم الصراخ والجنون، في عالم القتل العمد لكل انتماء وكل هوية غير هوية انتظار العبث وهوية الندم على العمر الذي ضاع في أرتالٍ لا هدف منها سوى قتل الوقت وقتل الفعل وقتل المستقبل.

اقرأ أيضاً: عن الرجل الذي أوقف السير في الشارع _ أيهم محمود

ربما ما أفعله هنا فعل مقاومة، وربما تحية بلال الهادئة أهم من حمل السلاح، هو الأمل الذي لا يتوقف عن العبث بحياتنا لاجتراح معجزةٍ ما في زمنٍ ضائع، في زمنٍ يضيع فيه الوقت من أجل ربطة خبزٍ هنا وأسطوانة غاز هناك، هو قتلٌ ممنهج لطاقة مجتمع يقف على حواف الضياع والجنون اليومي، دوائر متداخلة لا تنتهي من فراغ يقود إلى آخر، صوت بلال (رئيس التحرير) مرةً أخرى، عليّ أن أنهي المقالة وأفكر بأخرى، هل أخبركم بسرٍ صغير؟..

أصبح الانتظار فرصة، أصبح في الانتظار بعض المتعة.

ربما يجب أن نبحث عن فعلٍ إيجابي يقتل حالة الغضب في أنفسنا ويحررنا من الدوران اليومي في عالم العبث، فعل يحول الطاقة السلبية إلى عمل إيجابي يُخرجنا من حالة التلقي والاستسلام إلى حالة الرد، ربما هي فرصة لنبحث في أنفسنا عن هواية ما نحبها، عمل يدوي نستطيع إنجازه في هذا الوقت الضائع، قراءة كتاب يفتح آفاق الوعي بدل الاستسلام إلى أهداف من اضطرنا إلى هذا الهدر في حياتنا، الصراخ والشتائم التي أسمعها حولي لا تنفع فهي مجرد صراخ خراف في طريقها إلى الذبح، صوت بلال يخرجني دوماً من القطيع المُقاد إلى حتفه ليدفعني إلى مسارات جانبية وإلى احتمالات متعددة أخرى، وأنا بدوري أكتب محاولاً خلق فرصة ما لاحتمالاتٍ تختلف عن الأمر الثابت الوحيد في هذه المعادلة القاتلة: الوصول إلى نافذة الخبز ونافذة السكر ونافذة أسطوانات الغاز وتسجيل انتصارٍ باهت نعلم جميعاً أن له طعم الهزيمة المرة.

اقرأ أيضاً: ليرة ذهبية أمامك.. هل تمد يدك لتلتقطها؟_ أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع