أغنى رجل في التاريخ .. أمير البزق السوري “محمد عبد الكريم”

أدهش جمهور “إيطاليا” و تفوق على “شنشلار” التركي

سناك سوري _ محمد العمر

طفلٌ مصابٌ في ظهره إصابة بليغة تركت حدبةً وانحناءً في الظهر يخرج مع أخيه حاملاً آلة البزق من حي “الخضر” الشعبي في “حمص” لإحياء سهرات وحفلات المدينة.

لن يمضي وقتٌ طويلٌ حتى يتوّج ذلك الطفل أميراً دون إمارة، حيث ضاقت بذلك الشاب ذو الأصول الغجرية مدينته فانطلق نحو العاصمة في العاشرة من عمره وفيها دخل عوالم الفن من بوابة مقهى “النوفرة” الدمشقي حين رافق “أبو شاكر” صاحب عروض “خيال الظل” في العزف على البزق أثناء العروض.

لاحقاً تعرّفت “القاهرة” إلى اسم العازف المبهر الذي أدهش كبار فناني مصر مثل “زكريا أحمد” و”محمد القصبجي” و “أم كلثوم” و”محمد عبد الوهاب”، إلا أن اللحظة الفارقة في حياته كانت حين عزف بحضور الملك “فيصل بن الحسين” ملك “العراق” في ذلك الحين والذي سرعان ما أصدر فرماناً سمّى فيه السوري “محمد عبد الكريم” أميراً للبزق.

فتحت عبقرية “عبد الكريم” في اللعب على أوتار البزق بما لا يتوقعه الآخرون من أساليب جديدة أبواب المجد أمامه فجاءه رجل ألماني يدعى “ليتوباروخ” عام 1927 وعرض عليه السفر إلى “ألمانيا” لتسجيل أسطوانات عزف على البزق بصفته وكيلاً لشركة “أوديون” الألمانية إلا أن “عبد الكريم” رفض العرض الألماني. موقع سناك سوري

إلا أنه عاد لاحقاً ليخوض تجربة السفر ويذهب إلى “ألمانيا” فيحصد منها خيبة ونجاح، فقد خاب أمله في علاج حدبة ظهره حين أخبره الأطباء أن عليه التعايش مع الإصابة لعدم وجود علاج ناجع، لكنه في الوقت ذاته سجّل مع الشركة الألمانية 5 أسطوانات من معزوفاته و ارتجالاته المدهشة.

التصق الأمير بالبزق بشكل جنوني، كثيراً ما وصفه مستمعوه بأنه شيطان البزق نظراً لتمكّنه من الآلة وخلقه مساحات جديدة للإبداع عبرها، حتى أنه جدّد الآلة ذاتها ولم يكتفِ بتجديد أنغامها فزاد وترين إلى البزق وجعل من أربطته 38 بدل 18 ليزيد من إمكانية الأوتار في تنويع النغم، حتى أنه ابتدع مقاماً خاصاً يدعى “مريوما” مسجلاً باسمه الخاص.

اقرأ أيضاً:السوري “كمال بلان” ينال جائزة عالمية في الموسيقى

دخل العازف السوري إلى مسارح “روما” و “ميلانو” و “نابولي”، لم يتوقع الإيطاليون أن ذلك القادم من الشرق حاملاً آلةً لم يألفوها سيبهرهم في عزف ألحان “نابولي” الشعبية فقابلوه باحتفاءٍ واسع وشبّهوه بأشهر عازفي الكمان الإيطاليين “نيكولو باغانيني” وسمّوه “باغانيني البزق”.

تنقّلت نجاحات “عبد الكريم” بين عواصم أوروبا و “القاهرة” و “دمشق” و”بيروت” حتى حلَّ به ترحاله عام 1936 في “القدس” لمناسبة افتتاح إذاعتها فكان أحد عازفي فرقتها الموسيقية كما عمل على تأسيس إذاعة “الشرق الأدنى” في “يافا” و”إذاعة دمشق” التي وضع لها افتتاحية موسيقية بقيت لسنين بصمة مميزة لإذاعة “دمشق”.

أثناء عمله في “إذاعة دمشق” مطلع الخمسينات شهد على زيارة عازف القانون التركي الشهير  “إسماعيل شنشلار” للإذاعة وكان يعزف بأسلوب أكاديمي فذ يصعب مجاراته والوصول إلى مستواه، حينها استدعى مدير الإذاعة “أحمد عسة” أميرَ البزق وطلب منه أن يجاري العازف التركي الذي أعجز عازفي الإذاعة ويسجّل معه، فنجح “عبد الكريم” حسب ما يروي “صميم الشريف” في كتابه “الموسيقا في سوريا” الذي أكّد أن التسجيلات الموجودة في أرشيف الإذاعة تشهد على تفوق صاحب “رقصة الشيطان” التي تعتبر من أسرع معزوفات البزق في العالم وأكثرها صعوبة.

لحّن أمير البزق لعدة فنانين عرب مثل “ماري عكاوي” وغنّى بصوته إحدى أغنياتها “يا جارتي ليلى” كما قدّم ألحاناً لـ”سعاد محمد” و “نجاح سلام” و”فهد نجار” و”فايزة أحمد” وغيرهم. سناك سوري

«أنا أغنى رجل في التاريخ لأنني ملكت قلوب الناس وعقولهم وأرواحهم وهذا أعظم الثروات ولسوف يذكرني الناس كلما سمعوا ألحاني أو ذكر اسمي أو كلما شاهدوا غجرياً يتشيطن على بزقه ببراعة» يقول “عبد الكريم” إلا أن نبوءته خابت بعد 30 عاماً على رحيله، حيث لا نجد الكثيرين من الناس الذين يعرفون هذا العملاق الموسيقي السوري في الوقت الذي يُفترض أن يكون اسمه حاضراً في المناهج المدرسية لتعريف الأجيال بواحد من أبرز أعلام الموسيقا والذي يعتبره كثيرون أهم عازفي البزق في القرن العشرين لكن ربما صحّ القول بأن “لا كرامة لنبي في قومه”.

بجنازة متواضعة غادر الأمير الحياة عام 1989 في العاصمة حيث دفن في “مقبرة الدحداح” ودفنت معه موهبة عزَّ مثيلها بعد أن أورث “سوريا” إبداعاً موسيقياً مبهراً شهد به الغرب والشرق والملك والشعب وبقي ميراثه كنزاً لكل باحث في الموسيقا السورية واسمه نجماً بين مبدعي البلاد. موقع سناك سوري

اقرأ أيضاً:“أراكس شيكيجيان” سوريَّةٌ حَصَدَت الجوائز العالمية ودَرَّبَت أهم الفنانين العرب

مراجع أخرى:
حول فراش الأمير-محمد عبد الكريم أمير البزق، مسيرة حياة موسيقي عبقري عربي – طباعة زارة الثقافة السورية
الأمير السعيد – محمد عبد الكريم، لـ محمد بري العواني- الهيئة السورية للكتاب (وزارة الثقافة)

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع