أطفال مكتومو القيد في “الصالحين والمعادي” والشوارع مرقعة كما “ألبستهم”

الحيّان الحلبيان يغصان بحياة من نوع آخر.. أم فقدت طفليها الصغيران بلحظة واحدة.. وأخرى لم تسجل أطفالها.. وكثر يصارعون واقع نقص الخدمات

سناك سوري- حلب 

على أهميته لا يشكل حدث انتهاء المعارك في حيي “الصالحين” و”المعادي” الواقعان شرق “حلب” فارقاً كبيراً في حياة الأهالي هناك، فالمكان مايزال يعبق برائحة الفقد والموت والدمار.

“فاطمة” لا تذكر تاريخ وفاة طفليها بالضبط جراء قذيفة هاون عابرة، لكنها تذكر تماماً أنه كان صبيحة يوم إثنين ما مضى، تقول لـ”سناك سوري”: «كنت أجهز الطعام لأطفالي فموعد خروجهم من المدرسة قد حان تقريباً، حين سمعت دوي صوت انفجار أدركت أنه قذيفة، قلت في نفسي الله يستر وين نزلت؟».

لاحقاً تبدد قلق الانتظار بمرار الفقد، حين رنّ جوالها برقم غريب طالبها صاحبه أن تأتي إلى مستشفى “الرازي” بسرعة، وهناك شهدت اللحظة الأخيرة من حياة طفليها.

“فاطمة” التي أتمت عامها الـ25 قبل عدة أشهر، أصبحت زوجة وأماً وثكلى في عمر ماتزال فيه الشابات يحلمن بالفارس على الحصان الأبيض أو بتحصيل دراسي ما، هو نوع من قسوة الحياة هنا، كذلك هو تعبير جارف عن قسوة الحرب وما مرّ على حيطان منازل هذين الحيين.

مشاكل مكتومي القيد

قصة الشابة ذات الـ25 عاماً، ما هي إلا نموذج مؤلم لعشرات القصص المشابهة، بينما تعيش سيدات أخريات في حيي “الصالحين” و”المعادي” واقعاً لا يقل قسوة يتمثل بالأطفال وحتى الكبار مكتومي القيد (وهي عبارة تطلق على من لم يتم تسجيله في النفوس).

يقول “بكري عكو” مختار حي “الصالحين” لـ”سناك سوري”: «أتتني قبل أيام والدة تريد تسجيل أطفالها، وحين طلبت منها دفتر العائلة أخبرتني أنه لا يوجد دفتر ولا حتى هوية مدنية كونها تزوجت مكتومة القيد، فما كان مني إلا أن طلبت رؤية زوجها لتخبرني أنها لا تعلم عنه شيئاً منذ أكثر من 3 سنوات».

“عكو” أضاف أن هناك عشرات الحالات المشابهة لهذه الحالة، وتمنى على الصحافة تسليط الضوء على هذه المشكلة آملاً بإيجاد حل لها.

النموذج السابق يعبر بوضوح عن التركيبة الاجتماعية التي تقطن هذين الحيين، والتي من الممكن أن تكون موجودة أيضاً في الأحياء المشابهة القريبة.

3 سنوات على انتهاء المعارك.. ماذا تغير؟

بعد 3 سنوات من انتهاء المعارك في الحيين ما تزال عودة الأهالي إليهما في حدودها الدنيا، فهما يفتقران إلى الكثير من الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والاتصالات والتزفيت، والعديد من الخدمات الأخرى التي تشكل حاجة أساسية لكل كائن بشري.

يقول “عكو” إن حي “الصالحين” ذا الطابع الشعبي يسكنه قرابة 3000 أسرة، مضيفاً أن الحي لا يحتاج فقط إلى الأمور الخدمية، إنما أيضاً يحتاج إلى خدمات اجتماعية، وتشكل حالة مكتومي القيد إحدى أعقد المشاكل التي تواجه المنطقة وأهلها.

اقرأ أيضاً: “حلب”: تأهيل ساحة للمهرجانات الوطنية.. والأحياء الشرقية بانتظار الفرج!

البنطلون مرقع ومتلو شوارعنا!

تجول بقدميك في الحي شبه المدمر، لكن عيناك تسبقان قدميك، تلتقطان صور الدمار، وعجوز يمر متثاقل الخطوة من أمامك، تتجه إليه، تلقي التحية، يرد بألفة كبيرة، تسأله عن اسمه والخدمات، يقول لك: «اسمي مو مهم، والخدمات متل مو شايفة مو بس البنطول المرقع، شوارعنا كمان تضامنت معنا وصارت مرقعة، ربما هي موضة ينفذها مجلس المدينة»، ثم يمضي في طريقه بالخطوة ذاتها.

تقابل شاباً آخر على بعد أمتار في حي “الصالحين”، لا يمانع أن يعرفك بنفسه، “حسان عباس” الذي قال لـ”سناك سوري” إن «تزفيت الشوارع الفرعية في حي كرم الدعدع والصالحين منسية من قاموس مجلس المدينة».

بينما يتذمر جاره “محمود الطويل” من عدم وجود فرن، حيث يضطر كما الغالبية من سكان الحي، للذهاب إلى حي “الكلاسة” بغرض شراء الخبز، متسائلاً: «هل سكان الصالحين ليسوا بشر؟ لماذا لا يقومون بصيانة الفرن الوحيد الذي كان للمواطنين؟ لماذا لا يتم إرسال سيارات متنقلة إلى الحي أو يتم إحداث براكة لبيع الخبز»، هي ليست بالأسئلة الوجودية الصعبة، لكنها أيضاً ليست بالأسئلة التي تلقى إجابة!.

“مريم العمر” إحدى أهالي الحي طالبت باهتمام أكبر فيما يخص النظافة، تقول: «حاج، العالم وصلت للمريخ ونحنا بدنا نترجى موظف البلدية يجي يشيل الزبالة».

تتشابه مشاكل حيي “الصالحين” و”المعادي” وتتداخل، كما تداخل شوارعهما، تتساءل “فاطمة المحمد” من سكان “المعادي”: «أين هي إنارة الشوارع الفرعية؟ ونحن مقبلون على فصل الشتاء والظلام يحل قبل الساعة 5 مساء ولا يوجد كهرباء في الحي وعند انقطاع الأمبير نغرق في الظلام منتظرين حلول الصباح».

تضيف: «الحمد لله في أمبير عمنشوف قدامنا لأنو شركة الكهرباء خجلانة تجي لعنا».

لاشك أن الحرب والدمار الذي ألحقته خلّفا عبئاً كبيراً على مؤسسات الدولة السورية، إلا أن هذا لا يبرر بطء عودة الخدمات من جهة، ومن جهة أخرى فهو لا يبرر عدم التدخل الفاعل لحل المشكلات الاجتماعية فهؤلاء الأطفل قريباً سيصبحون في عمر المدرسة وبعضهم أصبح في هذا العمر فيكف سيتم التعامل مع طفل ليس له قيد، قد يقول قائل “الحق على أهل الولد” لكن هذا واقع وعلينا التعامل معه فهذا الولد أو البنت لاذنب لهما.

اقرأ أيضاً: بعد سنتين على انتهاء المعارك.. الحكومة تطلق برنامجها لإعادة إعمار “حلب”

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع