“أسعد الشفتري” مراجعات مُحارب ومسؤول جهاز أمني في الحرب

“الشفتري” لـ سناك سوري: عندما تحمل السلاح لتدافع عن قضية احفر قبرين واحد للعدو وآخر لك

سناك سوري – بلال سليطين

لم يفكر “أسعد الشفتري” كثيراُ عندما قرر الانخراط في الحرب الأهلية اللبنانية، كانت تلك المورثات الاجتماعية والثقافية التي تشربها في طفولته، وعلى مقاعد الدراسة، ثم ترسخت في فترة شبابه، كفيلة بدفعه لأتون الحرب، فالآخر في نظره لا تجري في عروقه الدماء الوطنية نفسها التي تجري في عروق “أسعد”.

“الشفتري” خريج هندسة وهو من القياديين البارزين في القوات اللبنانية التي شاركت بالحرب الأهلية اللبنانية، هذه الحرب التي خلَّفت مئات آلاف الضحايا وكثيراً من الدمار والخراب، وقد دخل الحرب من دون طموحات شخصية معتقداً أنه يدافع عن المسيحيين، ويحافظ على الدولة اللبنانية.

لم يكن العنف خياراً جيداً يقول “الشفتري” رداً على سؤالنا حول الضرر الذي لحق بالمسيحيين نتيجة الحرب، ويضيف:«عندما تحمل السلاح لتدافع عن قضية احفر قبرين واحد للعدو وآخر لك».

لايخجل المحارب السابق من الاعتراف بأن الحرب أضرت المسيحيين، ومن بين هذا الضرر هجرتهم من لبنان، خسارة مؤسسات اقتصادية لرجال أعمال مسيحيين ودمار منازل، إضافة لنزوحهم من مناطق كانوا يعيشون فيها وفقدان العلاقة مع المكان والآخر.

«لارابح من الحرب» يقولها “الشفتري” بكل وضوح، ويتابع:«لو أننا عرفنا قيمة الحوار لما وقعنا في هذا الكارثة، كان يمكننا الاستماع لمخاوف وهواجس بعضنا والعمل على تبديد المخاوف وتفهمها، لو فعلنا ذلك لقطعنا الطريق على الحرب والتدخل الخارجي الذي ماكان ليحدث لولا “الحرب” التي وفرت الأرضية له».

اقرأ أيضاً: «بويكا»… مُراجعات «مُجاهد» سابق في سوريا

صورة سوداء تلك التي يحملها “الشفتري” من الحرب التي لايتذكر منها سوى مشاهد السيارات التي تحترق بمن فيها، وطوابير المواطنين مذلولين للحصول على المياه، الأشخاص الذين ماتوا لعدم القدرة على تأمين الأدوية لهم، الحياة تحت الأرض خوفاً من القذائف والصواريخ… كبار السن وهم يهربون من بيوتهم التي وصل العنف إلى أبوابها….إلخ

عندما تنهمك بالحرب تتجمد مشاعرك وتواجه الخوف بالقناعة في القضية التي تظن أنك تدافع عنها، ويصبح الخوف من نهاية الحرب أكبر من الخوف منها يقول “الشفتري” ويتابع:«أجريت مراجعة للحرب أدركت خلالها أن الحروب خاسرة لامحالة، وأن حياتي مهمة مثل حياة المختلفين معي، وانقلبت رؤيتي تماماً لدرجة أنني لست مستعداً لكي أقتل أحداً حتى ولو كان ذلك لكي أحمي حياتي وهذا ليس خوفاً فإنني أمتلك من الشجاعة والتجربة مايكفيني ويزيد».

مسؤول جهاز الأمن في القوات اللبنانية سابقاً وضع كتاباً عن الحرب عنوانه “الحقيقة ولو بصوت مرتجف” يقول:«مرتجف لأنه موجه للأجيال اللاحقة، موجه للضحايا والأصدقاء، كما هو موجه لأعداء الأمس».

“الحقيقة بصوت مرتجف” موجه أيضاً لـ “الشفتري” ذاته هكذا يقول حيث يصفه بالوقفة أمام المرآة… وقفة أسعد الذي لا أعداء له… أسعد الذي يرى اليوم أن لاوطن من دون شركاء.

هل يستطيع المقاتل السابق أن يقود جهود المصالحة؟ نسأل المقاتل السابق، فيقول:«بكل تأكيد، لأنه سيكون مقبولاً من المجتمع الذي ينتمي له وكان يقاتل عنه أكثر من غيره، لأنه سيدرك عمق المصالحة مثلما أدرك عمق المشكلة في الحرب، لأنه سيكون واقعياً، طبعاً شريطة إيمانه الصادق بالمصالحة، وكل مقاتل يمكنه أن يكون شريكاً مع مقاتل من الضفة الأخرى في بناء المصالحة من خلال شجاعة مد أيديهم لبعضهم البعض والمضي معاً في نقلها إلى المجتمع بعمقها لا بسطحيتها».

يستشهد “الشفتري” بتجربة جمعية “محاربون من أجل السلام” كمثال للمصالحة ودور المقاتلين السابقين الذين أجروا مراجعة صادقة للحرب وتحولوا إلى ناشطين “لاعنفيين” يعملون مع بعضهم لهدف لاعنفي واحد رغم أنهم كانوا قبل سنوات يقاتلون بعضهم على الجبهات.

اقرأ أيضاً: جيش المسلمين اللاعنفي … ضمّ 100 ألف مجاهد

لكنه يلفت إلى موضوع هام جداً عندما يشير إلى أن الجهات أو الكيانات التي كانت تدعم المتحاربين خلال الحرب عندما كانوا يحملون السلاح بوجه بعضهم البعض وتدفع بسخاء، لا تقدم الدعم لبناء السلم اليوم ولا من أجل إعلاء مفهوم الحلول اللاعنفية.

نصيحة من مقاتل سابق إلى مقاتل مازال يتمترس خلف سلاحه يوجهها “الشفتري” خلال حديثه مع سناك سوري:«اسأل نفسك ماذا يحدث في الحرب؟، هل القتال هو الخيار الوحيد؟، كيف تنعكس الحرب عليك؟ على أسرتك؟ مستقبلك؟ لمصلحة من تقاتل.؟…..، لا تنظر للآخرين على أنهم فكرة واحدة، فكر بالآخر لماذا هو يريد القتال أيضاً.. فكر بغير السبب الذي يقولونه لك … ربما هذا يساعدك على ألا تكون مجرماً وتبقى صاحب قضية».

مرحلة مابعد الحرب من أخطر المراحل برأي المحارب السابق، حيث أنه يتوجب إقناع المتحاربين بعدم تكرار القتال، وتجربة لبنان ليست تجربة جيدة فيما بعد الحرب بحسب “الشفتري” الذي يرى أنه من الضروري أن يكون هناك حوار حقيقي ويقال فيه كل مافي النفس، وفتح كل الملفات لمعالجتها وكذلك جبر الضرر وبناء المؤسسات الحقيقة بالشراكة، والأهم من كل ذلك فهم أسباب الحرب والاعتراف بها لمنع تكراها.

لا مستقبل من دون “مسامحة” يقولها “الشفتري” بملئ فمه ملخصاً أهم أولوية في مرحلة مابعد الحرب، من وجهة نظره كشخص عاش الحرب وكان محارباً فيها.

يختم “الشفتري” حواره مع سناك سوري بالقول:«إن إنقاذ البلاد يحتاج إنقاذ الأجيال، وحمايتها من العنف، من التعصب، من فكرة اللون الواحد، الرأي الوحد… وكلما كانت المجتمعات غير واعية كلما كانت منتجة للحرب والعنف وكلما زاد وعيها أصبحت مولدة للسلام واللاعنف».

أجرى “الشفتري” مراجعة بعد حرب راح ضحيتها قرابة 150 ألف إنسان وكانت خلاصة هذه المراجعة أنهم لو اتخذوا سبلاً لاعنفية لكان أفضل لهم… فهل ينصت له من مازالوا يتمترسون خلف البنادق.. ويجربون ولو لمرة إجراء مراجعة لخيار الحرب ونتائجها… أو هل يتعظ من هذه التجربة من لم ينخرطوا بالحروب بعد لكنهم مؤمنون بفوائدها؟ … أسئلة نترك الإجابة عليها للقراء.

اقرأ أيضاً: اللاعنف: الخيار المُغيَّب…! اليوم العالمي للاعنف

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع