أدونيس.. هل أضعنا الفرصة؟

المفكر السوري أدونيس

لقد هَزَمَنا خوفنا التاريخي من العقل والمنطق واستسلمنا لأمان النقل ونصوص القبيلة المقدسة

سناك سوري-يزن مهنا

لابد وأن أغلب الناس – وخصوصاً الشباب- يرحلون في تفكيرهم الى الثمانينيات والتسعينيات على أنها كانت فترة ذهبية في تاريخ المجتمع السوري، وذلك بسبب الاستقرار السياسي والاجتماعي الكبير الذي عاشته سورية آنذاك مقارنة بأيامنا هذه والاكتفاء الذاتي الذي حققته البلاد من الأساسيات، فأصبح من حق أي عربي الاعتقاد بأن الفترات الذهبية هي الأيام التي لا تسيل فيها دماؤنا في الشوارع ولا نتهجر فيها من منازلنا أو تلك التي لا نقضي بها أيامنا في السفارات نتسول على أبواب الأمم.

إن تلك الفترة و إن كانت ذهبية فهي بما لمع فيها من مفكرين سوريين حقيقيين، عرفوا حقيقة سوريا بمعناها الكبير وليس سوريا التي تحاول كل جهة أن تعرّفها لنا اليوم كما يحلوا لها، وكأننا بتنا لانعرفها، لقد كانوا في أوج رحلتهم النضالية في مقابل جرف المجتمع اليابس متلبد الأحكام الذي أوصل الأحوال الاجتماعية و الثقافية الى موتنا سريري.

هي الفترة التي لمع فيها “أدونيس” يجوب العالم بأفكاره وفلسفياته المثيرة للجدل، مقدما إياها كحلول علّه يرى فهما أو صدى في مكان ما لفلسفته صعبة الهضم عند غالبية المجتمع العربي، فلقد ضربت أعماله بعرض الحائط كل مسلّماتهم، وناقشت أغلب مقدّساتهم وتفاصيلها التّي حان الوقت ليستيقظوا من سباتها.

اختار “أدونيس” البحث في جذر المشكلات بدلاً من الخوض في تفاصيل نتائجها المتشعّبة كما نفعل اليوم، بدأ دراسة غرائز ودوافع الإنسان العربي نحو الخطيئة، و نهاية بتوجهاته الدينية والسياسية التي انطلقت من هذه الغرائز أصلا، فقد توجّه الى الإنسان العادي في بيته كأنما يقول له: إذا أردت تغيير مستقبل بلادك، إبدأ بتقبيل رأس ابنتك، زوجتك أو أختك صباحاً، فكان من الطبيعي للرجل الغاضب بهدوء أن يرى أعماله تواجه بـ لامبالاة عربية مستفزّة ومعتادة، في مجتمع كان جلّ اهتمامه آنذاك نيل رضا الشيخ، أو الرفيق أمين الفرقة في أحسن مجتمعاتنا العلمانية.

نادانا “أدونيس” مراراً في أبحاثه ودراساته، لكن لغة الكتاب التي نادانا بها صعبة الفهم على مجتمعات لا تقرأ، بل تتنمر لفظياً وتهكمياً على القارئين في زمن الإنحلال الذي سببته الحداثة.

اقرأ أيضاً: الاسم – الإثم …. أدونيس

صرخ “أدونيس” بلغة الثقافة التي لا تنال اهتمام أغلب العرب في أمة لم تعد على الخارطة الحضارية للشعوب كما يقول هو، ولعلّ أهم ما نادى به هو أن يكون للإنسان العربيّ “شخصيّة”، رأي معتقد وتوجه أو تصرّف يمثّل مصلحته كإنسان أولا وكمواطن ثانياً بعيداً عن السيل الفكري للمجتمع الخاضع للهوية الدينية لسكان المنطقة، شخصية تستطيع أن تقوده إلى استقلاله الفكري واستقراره الاجتماعي والسياسي.

أن يكون للعربي شخصية أي أن يصبح منتجاً للحضارة لا مستهلكا لها أو مشترىٍ وحسب، أن تكون أمة العرب موجودة على الخريطة بما تنتجه من ثقافة و فكر وسياسة وعلم وتكنولوجيا، أن يصل إلى مرحلة يعرف فيها كيف يطالب بحقه كإنسان، بخصوصيته كإنسان، خصوصية فكره المستباحة وخصوصية حياته الشخصية المستباحة، وأن يتوقف عن السماح للمعابد برسم آرائه وخطوات حياته وبالتالي إعادة إنتاج الوضع العربي نفسه مرارا في كل جيل.

هل تعرف كم يكلف الأمر أن تطلب من عربي أن تكون له “شخصيّة” في عصر التعويم؟ كم يكلف الأمر أن تقنع عربيّ بأن يفكر مستقلا رغم أنف القبيلة؟ قد يكلّفك هذا الأمر أن تغادر بلادك مدى الحياة, أو أن يحترق بيتك!.

ولأن المكان لا يصنع الفكرة, هاجر “أدونيس” وكان منزله على وشك الإحراق، ولم تشفع له تكريماته العالمية ولا جوائز نوبل العديدة التي ترشّح لها، ولا سلسلته الشهيره (الثابت والمتحول) والتي تدرس في عدة جامعات حول العالم، فالثابت عندنا عقيدة، أما التحول فهرطقة، مع أنه من المفكرين القلة الذي تفهّم كل الآراء وخصوصية كل المجتمعات، احترم معتقدات الجميع ولم يلغِ أي فكر، لم يستقصِ أدونيس أحداً ولم يكن شتّاماً فمازال يحاور كل طرف انطلاقاً من خصوصيته وتفهّما لمعتقداته و آرائه، ما هو نادر في زمن أصبح فيه الاستقطاب حاضر في أي موضوع جدليّ .

اقرأ أيضاً: حملة “تخوين” للكاتب “قمر الزمان علوش” بسبب “رأي”

ورغم ذلك كُفّر أدونيس .. وخوّن تارةً. وبسلاسة العربيّ ولامبالاته المستفزّة نتسائل لماذا وصلنا الى مانحن عليه اليوم؟ بل نميل إلى الاعتقاد أن ثمة غضبه إلهية وراء الأمر سببها لحاقنا بمتاع الحياة وانكفائنا عن الفرائض.

كلا ، هل أضعنا الفرصة ياصديقي؟ فرصة أن يقود فكرنا أشخاص غير مؤدلجين وغير مباعين، أشخاص حقيقيين كأدونيس وغيره؟، هل هَزَمَنا خوفنا التاريخي من العقل والمنطق واستسلمنا لأمان النقل ونصوص القبيلة المقدسة؟، يبدو أننا أغرقنا مستقبلنا يوم فضّلنا زوايا الرفيق المحجوزة في الجريدة اليوميّة على عبقرية أبحاثهم .. ولا زال يغرق.

* في مثل هذا اليوم 1 كانون الثاني 1930 ولد المفكر السوري أدونيس الذي ينحدر من قرية “قصابين” في ريف “جبلة”، واسمه الحقيقي “علي أحمد سعيد اسبر”.

اقرأ أيضاً: “أدونيس” من طفل أدهش الرئيس إلى الثورة على القصيدة!

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع