عيد الحب والشناتي المهاجرة … سلوى زكزك

في سوق الخجا لا بالونات حمراء ولا دببة … فقط أم تشتري الحقائب وتستعد من أجل “لم الشمل”

سناك سوري – سلوى زكزك

في سوق الخجا، السوق الدمشقي العريق والمتخصص ببيع حقائب السفر والحقائب المدرسية وأكياس التحميل. أم تشتري حقيبة كبيرة، أسألها عن وجهة سفرها فتقول “ألمانيا”، متى؟ لا أعرف… بالأمس قدم لي ابني طلب لم شمل، أشرد في عينيها الدامعتين بعد لفظها لكلمة ابني، في ضحكتها العامرة بالشوق، أقول ربما سنتان يا سيدتي فتجيب أنا أحضر نفسي لأكون جاهزة، وتابعت لن أتردد بالدعاء صباح مساء لتقليص الوقت والسفر على جناح الريح لأضمه، وبكينا معا، حتى “الشنتة” التي كانت جاثمة بيننا تفرق في حضورنا الجسدي انزاحت جانبا وسمعت نحيبها ويد الأم تربت عليها وكأنها تقول لها (رايحين سوا أنا وياكي لنلاقي الغوالي وبوعدك ما نطول).

في سوق الخجا أيضا أب يساوم البائع على  سعر 3 حقائب دفعة واحدة، لا حاجة لسؤاله فالقصة تسيل على فمه بسهولة بالغة، يقول ولدي في فرنسا وكلما سافر أحدهم أرسل معه حقيبة ممتلئة بالأغراض وخاصة المكدوس والزعتر حتى الكنافة والكبة نرسلها، يستفيض بالحديث عن صعوبة التأقلم الغذائي مع النكهات الغريبة والتي لا تشبع بل توقظ الحنين وتؤكده.

يتحدث كيف يتوه الحب حين لانتوقف يوماً عن إرسال أشواقنا الأسرية على جناح طعام معجون بلمسات أم مشتاقة وبتعب أب يغمره الشوق والفرح كلما توسل أحدا لإرسال حقيبة جديدة.موقع سناك سوري.

وفي سوق الخجا أيضاً سيدة بملابس عتيقة ومهترئة، تسأل البائع عن  سعر حقيبة رخيصة هي في الواقع من النايلون السميك تريدها لأن الأكياس الرثة التي بحوزتها لم تحفظ لها وبعناية “المانطو” الجديد حسب “وصفها” فهو ثروتها الوحيدة من الملابس، وهي تحفظه بعناية بالغة لترتديه في مناسبات العزاء و الزيارات الرسمية.

كلمة أصابتنا في مقتل، سخرنا من عبارة رسمية ومن ذواتنا ومن زيارات باتت تقتصر على المشاركة بالعزاءات فقط.

اقرأ أيضا : الكثير من هذا الذي نحتفل به اليوم!

3 أشخاص قرروا دفع ثمن تلك الحقيبة لكن البائع سبقنا وقال لها (عحسابك ياحجة خديها ببلاش هدية ولد لأمه)، ظننا أنها ستفرح لكنها رفضت وقالت لا أرضى أبدا، ابنتي أرسلت لي خمسين ألف ليرة منذ أسبوع واشتريت دوائي عن شهرين والحمد لله معي “حق الحقيبة وزيادة”.

في سوق الخجا لا بالونات حمراء ولا دببة كبيرة وصغيرة وملونة وبآلاف الليرات، قصص رحيل موجعة وسفر مقيم ينتقي حقيبته بعناية حسب ما بحوزته من ليرات وحسب وجهته القادمة.

في سوق الخجا باعة جدد صغار بلا مدرسة، بعيون شبه مطفأة وبأحزان طافحة تُقرأ بسهولة من على الوجوه ومن بين طيات الأيادي الصغيرة المشققة والجافة المحرومة من ترف اللمسة الحنونة ومن آثار حبر الأقلام أو بوز أقلام الرصاص والتلوين بعد أن أصبحوا معيلين لأسر كثيرة العدد والحاجات، باعة طاعنون في السن والهم من مدن بعيدة ومن قرى باتت ملامحها مجرد ظلال للذاكرة وترددات للشوق الذي تحول ترفا منسياً.موقع سناك سوري.

في سوق الخجا لا صدى لأغنيات الحب المغيّب فعلياً والمطروح شكليا بتكلف مقرف واستعراض دوني واسفاف مغرق في انحطاطه، ثمة صدى لصوت وحيد على أجنحة الشناتي، متى اللقاء يا أحبة القلب؟ متى يتوقف السفر وتعود تللك الحقائب من البعيد ليورق الحب وتعمر البيوت بدفء الحب المشتهى، الحب المهدور كالنفس وكصرخة الأمل.

اقرأ أيضاً : ستة أطفال في دمشق عند الثامنة والنصف صباحاً

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *