عن الصحافة والغاز وحليب الأطفال: «المستحيل مانو سوري»

سناك سوري

قبل أيام، نُشر العدد 2759 من صحيفة «كفاح العمّال الاشتراكي»، التي تصدر أسبوعياً عن «الاتحاد العام لنقابات العمال» منذ أيار 1963. «محاولات لتبرير معاناة المواطنين وتحويل الصعوبات المعيشية إلى فانتازيا حالمة».

مانشيت قنبلة. مغناطيس قرّاء. جديد كشركة تطوير عقاري لإعادة الإعمار. جريء مثل الدراما السورية. ممتع كما مكافحة الفساد. «سكسي» أكثر من جرّة غاز. نادر برتبة علبة حليب أطفال. لا ينافسه عبقريةً سوى عبارة «المستحيل مانو سوري»، لا أفضل منها لوصف «معجزات» هذا البلد الصامد.

في الصباح نفسه، صدرت الصحف «القومية» المركزية الثلاث مدججة بمواد لا تقل ألمعية. كما قرأ سكان المحافظات صحفهم اليومية المحلية: «الجماهير» في حلب، «العروبة» في حمص، «الفداء» في حماة، «الوحدة» في اللاذقية، «الفرات» في دير الزور. تداولها «أبناء شعبنا» بلهفة وحبور وأنفاس لاهثة. ظنها بعض الشاطحين مناشير سرية – لا سمح الله – لفرط جرأتها ونقدها الحاد للهرم، من فوق ومن تحت، وعن اليمين نحو اليسار. «وضعيات» تحليل إرهاصي، لم ترد حتى في «كاماسوترا».

يسخر محدودو الأفق والرؤى: «ورق يصلح للتدفئة مع انقراض الغاز». فشرتم يا إمّعات الطابور الخامس. مطبوعاتنا الغرّاء خير وسيلة لتزجية وقت الانتظار في طوابير اقتناص جرّة الأحلام. يا له من مزيج حضاري عصيّ حتى على دول تدّعي التقدم والرقي. مقال في يد حبيبنا المواطن، وأسطوانة فارغة في أخرى. «سودوكو» في يمينه، ومفتاح إنكليزي في شماله. تحقيق على الورق، وآخر في مركز التوزيع. حليب الأطفال سيطلع علينا من ثنيّات البواخر القادمة، إذ «لا توجد أزمة». معلومة يعرفها «ابننا» الكادح من صفحة المحليات، فتطمئن روحه، وتهدأ سريرته.

كل ذلك، ويخرج حاقدون معقّدون، ليتكلموا عن غياب «الحريات» و«التنوع» في الصحافة السورية. «هههههه» رد يليق بسخافتهم. الحقائق والأرقام لا تكذب. نحن، بكل فخر، نرافق الطفل منذ نعومة أظفاره بمجلة «الطليعيّ» الصادرة عن «قيادة منظمة طلائع البعث». بعد سنوات من الانقطاع عادت للإشراق أخيراً على مدارس الوطن بالعددين 240 و241. خاطبت «فلذات أكبادنا» بألوان الربيع: «نعود إليكم، لنكتب معكم قصائد الفرح والأمل، مثلما يكتب كل السوريين فجرهم، بتصميمهم وبقدرتهم على تجاوز الأزمات، صانعين المعجزات، مسطرين ملاحم الفخر، كرمى لوطن مجبولة حبات ترابه بدماء الشهداء الأبطال». كما نلاحظ، هذه اللغة المثالية للكلام مع الأطفال. بعدها، لا نترك فتياننا، ستتلقفهم «جريدة المسيرة» الصادرة عن «اتحاد شبيبة الثورة» وهي «أول صحيفة شبابية في سوريا»، والوحيدة غالباً، بمحض الصدفة. نحن لا نتخلى عن طلبة الجامعة بالتأكيد، نتابع الاحتضان بنشرات «الاتحاد الوطني لطلبة سوريا». نغطيّ جلّ الاهتمامات بعناية أب حريص. في الرياضة، نطلق «الموقف الرياضي» صباح كل سبت (منذ 1963). لمحبي الأدب، نقترح جريدة «الأسبوع الأدبي» الأسبوعية، ومجلة «الموقف الأدبي» الشهرية، الصادرتين عن «اتحاد الكتاب العرب». هذه الأخيرة تأتي مع كتاب جيب لإسالة اللعاب. نولي رعايتنا شتى الشرائح. مثلاً، يفخر المكتب التنفيذي لنقابة المعلمين للعام الثامن والعشرين بمجلة «بناة الأجيال». «إدارة التوجيه المعنوي» في وزارة الداخلية تتكرّم بإنجاز مجلة «الشرطة». ليس سراً أن العدد 598 الصادر في تشرين الأول الماضي نفد بسرعة «التفاهم» مع شرطي مرور رقيق. ماذا يريد أولئك المنتقدون/ المرضى النفسيون أكثر من ذلك؟ تخرسهم الحقائق، فيسارعون إلى اختلاق ترهات من قبيل: «لغة خشبية، حجرية، بلاستيكية…». لا بأس، مواد البناء ثمينة هذه الأيام. «إصدارات لا تتجاوز مجلات الحائط المدرسية»؟ يا حبذا سني المرح والشقاوة. «شعارات جوفاء»؟ توقفوا هنا. هذا ما لا نسمح بالمساس به. الحمد لله أننا تعلمنا من تجارب ماضية، استغلت انفتاحنا وطيبتنا. «الدومري» أسبوعية ساخرة (آذار 2001 – تموز 2003)، تجرأت على سابقة رسم رئيس الوزراء مصطفى ميرو في كاريكاتير. أكثر من ذلك. وجهت رسالة إلى رئيس الجمهورية شخصياً حول ما يسمى بالحريات والديموقراطية!! يا للوقاحة!!

نقول لكل الحاقدين: «خسئتم». الحديث المكرور حول «مخالفة الدستور وقانون الإعلام باعتقال صحافيين تعسفياً» لن ينتشلكم من القاع. الجهات المختصة تقوم بواجبها. ليست مضطرة لإبداء أسباب اعتقال، أو تحديد مكان مستحقه. حقاً؟ هل شهد عام 2018 اعتقال أسماء مثل: وحيد يزبك، وفهد كنجو، وعمّار العزو، وعامر دراو، وإيهاب عوض، ورولا السعدي، وسونيل علي، ووسام الطير…؟ هل تمّ شتم رحاب الإبراهيم من قبل مسؤول؟ هل تم منع عدد من صحيفة «الأيام»؟ لا بد أن الأسباب وجيهة في حال حصول ذلك. تسألون عن اتحاد الصحافيين؟ يقوم بواجبه على النحو الأمثل. ها هو يتعاون في إقامة دورة «برنامج الفوتوشوب واستخداماته في التصميم الإعلاني والإعلام الإلكتروني».

علي وجيه – جريدة الأخبار 

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع