حمص خارج المعارك… أصحاب الظل الخفيف يودعون الحرب في يومهم “الأربعاء”

طفلين من أطفال "الحولة" الصورة ملتقطة في كانون الثاني عام 2013 "ناشطون"

المدينة التي أنشأ سكانها “مشحم ومغسل حمص الدولي للدبابات” ودعت الدبابات والمسلحين بعد أن كابدت ويلات الحرب.

سناك سوري – خاص

دخلت “حمص” نيران الأزمة السورية باكراً، وشهدت كغيرها من المحافظات السورية أحداثاً مأساوية أدت إلى سقوط عدد كبير من الضحايا، ونزوح الآلاف باتجاه الداخل و”لبنان” المرتبط معها بعدة معابر، وتصدرت الإعلام بأحداثها الأليمة وتفاصيل الحروب والتفجيرات والمعارك التي لم تكن تنتهي.

قبل الأحداث الدامية، كان أهالي المحافظة في حالة غليان على إجراءات محافظها “إياد غزال” آنذاك الذي كان يخطط لجعل المدينة درة المدن السورية تحت ما عرف بمشروع “حلم حمص”، وهو ما أدى إلى فرض رسوم باهظة على الناس، وجعلهم يقتنصون أي مناسبة للمطالبة بعزله.

أصدر الرئيس السوري مرسوماً يوم 21 نيسان 2011 يقضي بتعيين “غسان مصطفى عبد العال” محافظاً لـ”حمص” خلفاً لـ”محمد إياد غزال” الذي أُقيل على خلفية احتجاجات الناس ومطالبتهم بإقالته، غير أن الاحتجاجات لم تتوقف وتطورت إلى مواجهات دامية استمرت بالتصاعد طويلاً، وترافقت مع تفجيرات بالسيارات المفخخة، وأعمال قتل وتنكيل وخطف طالت المدنيين من مختلف المناطق والأطراف، وأنذرت بحرب طائفية مقيتة.

دخلت الأحداث حمص باكراً مع بداية الحراك السورية من بوابة حي “بابا عمرو” الذي اعتبر بعد ذلك مركز الثقل للمعارضة، مترافقاً مع كم كبير من الضخ الإعلامي، والمعارك الشرسة التي جرت بين القوات الحكومية والفصائل المسلحة أو ما أطلق عليه “كتائب الفاروق” التي تشكلت من مجموعة مسلحين ذوي خلفية إسلامية إضافة لضباط وعناصر منشقين، وقد استطاعت “الكتائب” السيطرة على الحي قبل أن تستعيده القوات الحكومية بعد أن تحول إلى ركام مخيف عام 2012.موقع سناك سوري.

برز اسم نشطاء “حمص” المعارضين من خلال صفحة “مغسل ومشحم حمص الدولي للدبابات”، وكانت صفحة معارضة تنقل أخبار المعارك بطريقة ساخرة، ببساطة إنها تشبه سكان مدينة “حمص”، رغم خلافاتهم إلا أنهم يجتمعون على خفة الظل حتى وهم يقفون بأسلحتهم وجهاً لوجه، الصفحة تم إغلاقها خلال الحروب الإلكترونية بين طرفي الصراع عام 2013، بعد أن تمكنت من جذب 135 ألف متابع، كان بعضهم من المؤيدين أنفسهم.موقع سناك سوري.

المعارك والأجواء الساخنة لم تقتصر على المدينة، الريف أيضاً كان في حالة غليان تبعها حالة من الإنفجار تجسدت أولاً في المظاهرات التي عرفت بـ”مظاهرات الجمعة”، ثم تطور الأمر إلى الاشتباكات العنيفة التي بدأت في “تلبيسة”، و”الرستن”، و”الغنطو”، و”الحولة”، والدار الكبيرة”، وأحياء “حمص” القديمة” وصولاً إلى “القصير”، حتى تحولت حمص إلى “عاصمة الثورة” بالنسبة للمعارضة متفوقةً على “درعا” التي كانت مهد الحراك.

اعتبرت “كتائب الفاروق” أول تشكيل مقاتل بتنظيم عالٍ في “حمص”، وعلى الرغم أنها هُزمت شر هزيمة في “بابا عمرو” التي انطلقت منه بعد أن أصبح ركاماً، إلا أنها قررت الاستمرار وانتقلت إلى قلب المدينة في “الخالدية”، و”حمص القديمة”، وشمالاً باتجاه “تلبيسة”، و”الرستن”، وغرباً إلى “قلعة المضيق”، “وتلكلخ”، و”الزارة”، وجنوباً في مدينة “القصير”، بالاضافة إلى مدينة “تدمر” شرقاً.موقع سناك سوري.

واشتهرت الكتائب في مدينة “القصير” التي تحولت إلى مركز جديد من مراكز المعارضة وإحدى المدن الأشهر إعلامياً طوال سنوات الأزمة السورية السابقة، وبعد معارك ضارية مع القوات الحكومية، ودخول “حزب الله” اللبناني المعادلة السورية خرجت الكتائب مهزومة من “القصير” بتاريخ 4 حزيران 2013. وظلت هذه الكتائب تحتل المشهد الإعلامي والعسكري وقتاً طويلاً، وتوسعت ليكون لها فروع في عدة محافظات قبل أن تختفي نهائياً.

إقرأ أيضاً: “جيش حمص” جديد فصائل المعارضة السورية

منعت سيطرة الحكومة على “القصير”، الفصائل المسلحة من أهم مواردها العسكرية القادمة من “طرابلس”، وتحولت المعارك بشكل تلقائي لمصلحة القوات الحكومية، غير أن الريفين الشرقي والشمالي بقيا خارج نطاق السيطرة، وتحولت مدينة “تدمر” إلى مقر لتنظيم “داعش” الذي ظهر تقدم إلى الواجهة وشكل أكبر خطر على “سوريا”، حيث احتل أجزاء واسعة من البادية السورية وصولاً إلى “حمص”، وريف “حماة” الشرقي، ولم يخرج إلا في السنة الماضية بعد أن دمر جزءاً من أشهر الحضارات الإنسانية، وأعدم مئات الأشخاص، وأوشك على تشويه المجتمع بسواده القاتم.موقع سناك سوري.

وحتى أيام معدودة سابقة كانت “تلبيسة”، و”الرستن” تقعان تحت قبضة الفصائل المسلحة رغم كل محاولات القوات الحكومية اقتحامهما والسيطرة عليهما طوال سنوات الحرب السورية، وتمتعت هاتين المدينتين بخصوصية كبيرة بعيدة كل البعد عن الحرب وأسبابها وتداعياتها، وكانتا تحظيان باهتمام المنظمات الدولية التي أنشأت فيهما مكاتبها ومشاريعها العديدة. بالإضافة إلى دعم رجال أعمال سوريين، وجمعيات إغاثية عدة للناس هناك. ومع دخول “روسيا” الأحداث وتحولها إلى أهم لاعب في “سوريا”، وسيطرة القوات الحكومية على مناطق واسعة من البلاد، وافقت هذه الفصائل على الخروج من المدينتين نحو الشمال السوري بعد أعوام من الحصار.

حمص أيضاً كانت أول مدينة سورية تسجل ظهوراً للدفاع الوطني هذه القوات التي أثارت الكثير من الجدل منذ تأسيسها، كما أنها كانت أول محافظة سورية تشهد اتفاقاً بحجم اتفاق حمص القديمة الذي خرجت بموجه الفصائل المسلحة من المدينة القديمة.

ربما هي الصدفة اللطيفة أن يوم الأربعاء وهو عيد الحماصنة في العرف الشعبي الواقع في 16 أيار 2018، شهد إعلان المحافظة كأول محافظة سورية تخرج تماماً من دائرة المعارك وتخلو من المسلحين، على أمل أن تحتضن قريباً كل أبنائها النازحين واللاجئين وتنهض أحياؤها من تحت الركام، فعودة الأهالي وإعادة الإعمار من أكبر التحديات التي تواجه أكبر محافظة في سوريا.

إقرأ أيضاً: فصائل “درع الفرات” و”إدلب” ترفض استقبال مقاتلي ريف “حمص” وعوائلهم

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *