تحليق ووجوه حادة في معرض النحات “إياد البلال”

يذكرنا بالمشاعر الإنسانية التي نسينا أنها مازالت تؤثر فينا
سناك سوري – سامر أبو ليلى

تعتليك مشاعر الدهشة والغرور فتقف شارداً متأملاً معرضاً بحجم الحلم، تفاجئك منحوتة من هنا ومنحوتة من هناك بما لم تتوقعه فتمد لسانها مشاكسة لتضحك من آلامنا؛ وتقول لنا: “إياد” يرى بطريقة مختلفة، مواربة، خبيثة، ساحرة تشعرك بحاجتك إلى الغرور كإنسان وتعيد لك المتعة في اكتشاف ذاتك من جديد، ويستفزك الغرور فيها لأنك مازالت تستطيع الشعور بالغبطة، الحزن، اللذة الجنسية، الدمعة الحارقة، الغضب، كراهية القبح.. والكثير من المشاعر الإنسانية العادية التي نسينا أنها لازالت مؤثرة فينا رغم أنها اهترأت وتلّمَت وهي بحاجة لسكين النحات ليشحذها ويجرحنا مقشراً سماكة طبقاتها التالفة على أرواحنا.

من أعماله

والمتابع لتجربة “إياد” يلاحظ قفزاً غزلانياً بين مرحلة ومرحلة بالاتكاء على موروث الثقافة السورية العريقة ورموزها وارتباطها بالخصب والحرب الحب والجنس المقدس، الشمس والقمر، الطيور والأسماك الهاربة.. كل هذا كان معيناً جدياً لا ينضب في منحوتاته الأولى، لينتقل بعدها إلى تطوير تقنيات الطين والخشب والمعدن لتخدم تحولاً واضحاً في رؤية المنحوتة العصرية التي تقول حكاية قديمة حديثة، فتنطق بالحب والهجرة واللوعة، الغربة والشخصيات المتوحدة الملفوفة بأقمشة وأقمطة، تقيد الجسد ولكنها لا تأسر الروح المتمردة التواقة إلى الطيران والتحليق في عالم الأسطورة والأديان والأرياف النائية.

اقرأ أيضاً: فنان سوري يقيم معرضاً على أسطوح منزله بنكهة “البرغل بحمص”

هذه المرحلة وعوالمها رافقت “إياد” منذ بداياته وكأنه يجسد هواجس البحث عن الطفولة والمراهقة والأرواح المرهقة المسجونة داخل الجسد المحاصر بالتقاليد والتابوهات، نراها تتكرر من مرحلة إلى أخرى ولكن بمعالجات جديدة، تتطور حسب رؤيته المتغيرة للعالم، وطريقة تعامله مع الكتلة والفراغ وعلاقتها بما يريد قوله عن سلطة الأفكار المسبقة والغيبيات المسيطرة، فالزيقورات والأبراج الشاهقة، والمسلات، تبدو وكأنها مدونات حجرية تكتب أنت عليها تاريخنا المغرق بالقدم والغارق بالدم والرعشات المسروقة من صليب الألم، فهذه الأعمال الضخمة الثلاثية والرباعية الوجوه، تقف منتصبة كمنارات للأجيال السادرة الغائبة والمغيبة عن حقيقة الإنسان وتقول لهم بكل صلابة ومحبة وشجن، الماضي موجود، ولكن هناك من صنعه، هيا تقدموا واصنعوا ما خلقتم لأجله.

وخلال تسائلي حول جدارة المعرض بمساحة أكبر ومكان أرحب قال لي “إياد”: «لا أكترث للأمكنة، لا أهتم بالتغطية الإعلامية والازدحام، ولا أكترث إن جاء من يسألني عن السعر أو الكلفة. جل ما أهتم به هؤلاء الناس الذين جاؤوا. شاهدوا، اندهشوا، فرحوا وقدّروا التعب. تساءلوا قليلاً، كثيراً لا يهم. المهم أنهم تساءلوا، قلقوا وحاولوا التحليق»، ويبدو أنني بحاجة لزيارة الطبيب بعد ظهور أشواك رقيقة على أطرافي وفي أنحاء متفرقة من جسدي.

يذكر أن المعرض أقيم ضمن فعاليات المهرجان الثقافي في حمص أواخر شهر كانون الأول 2017.

اقرأ أيضاً: فنان سوري يحول سطح منزله لرسم ثلاثي الأبعاد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *