الرقص مع القذيفة … يوميات سورية

آثار سقوط قذيفة على أحد المنازل في ضاحية حرستا

في ضاحية حرستا تعلمت لينا الرقص مع القذيفة

سناك سوري – لينا ديوب

كنت بين المزح والجد، أقول لصديقتي سأضع في حقيبتي كتاباً، كي لايكتبوا مع خبر موتي “ربة منزل”، لأنهم بذلك سيجدون مع خضرواتي المبعثرة وجسدي المصاب كتاباً.
فأنا أعيش في منطقة نالت أكبر حصة من قذائف الهاون منذ بداية الحرب في محيط العاصمة، كانت أول قذيفة أذكرها بداية عام 2013 وقد سقطت في الحديقة خلف البناية التي نسكن بها، وكان المصابان بشظاياها ابني البكر وصديقه ابن الجيران، نجا ابني بأعجوبة، أما صديقه “ربيع” فقد أودت القذيفة بحياته وفطرت قلب أمه.
القذيفة الثانية التي اقتربت مني وابتعدت عنها، كانت على اوتستراد حرستا وأنا عائدة إلى المنزل بعد شهرين على نجاة ولدي، يومها أحسست أن سيارتي ارتفعت قليلا عن الأرض وغبار كثيف ارتفع خلفي بينما كنت أزيد سرعتي هرباً وخوفاً.
بعدها أصبحت حياتي اليومية ربما لاتخلو من رقصة مع قذيفة في محيط منزلي أو في طريقي إلى عملي أو لتسوق حاجيات أسرتي.

اقرأ أيضاً: في ألمانيا افتقدت توتة أرنبة.. هل نجت من الحرب ياترى؟

الخوف ليس الشعور الوحيد الذي يسيطر علينا، هناك أيضا الكره نعم كره الصوت الذي أسمعه لمروحة القذيفة والرائحة التي تنتشر بالمكان ثم صوت ماتكسر حولك بسبب الشظايا.
لا يخلو الأمر من مفارقات مضحكة، تذكرت في إحدى المرات أن كل المارة في الشارع ألقوا مافي أيديهم على الأرض وأسرعوا بالركض، وأنا أيضا ألقيت الموزة التي كنت أناولها لزوجي.
وفي مرة أخرى، لحظة وصولي إلى أمام المنزل سقطت القذيفة على حائط المدرسة المقابلة لبيتي ومن لطف الله أن الأطفال كانو على بعد كاف لحمايتهم من الشظايا، تركت سيارتي كما هي وتركت محفظتي وهاتفي مسرعة إلى مدخل البناء وطلب مني الجيران عدم الخروج لأنه عادة يتبع القذيفة قذيفة ثانية، وقفت قليلا وعدت لأحضر أغراضي وأقفل سيارتي، فكانت القذيفة التالية وهذه المرة سقطت فوق منزلي مباشرة لم أدرك لحظتها ماحصل ويحصل فقد اعتقدت أن هاتفي انفجر بيدي، ربما فقدت ذاكرتي لدقائق سمعت الجيران بالبناء المقابل يقولون جارتنا الصحفية راحت.
عندما أدخلني الجيران إلى المنزل نظر إلي ابني وقال لا أعرف ماما هل أبكي أم أضحك، قلبي يؤلمني عليك ومنظرك يضحكني.
منظر الدماء ورائحته أثناء اسعاف المصابين تزيد الألم، الكبار كما الصغار، لكن صغار الروضة ذعرهم مؤلم، ورائحة دمائهم تدمي القلب.

اقرأ أيضاً: حين قال لي أبي “إن الرجال لا يبكون”

تمضي أيام وتمر شهور، هدوء وأمان خادع، لتعود حالة الرعب والموت، يخرج الأطفال الثلاثة لملاقاة والدهم وخلفهم أمهم، لتمنع قذيفة مفاجئة اللقاء ويذهب معها إلى السماء الأب وولدين، وفي اليوم الثاني يلحق بهما الولد الثالث وتبقى أمهم مثقلة بجراحها وحزنها الأبدي تراقب السماء علها تجد صورة لولدها فلا تجد إلا مزيد من القذائف تتساقط علي الحي.
يقول الرجل الذي رآني أنتفض وأنا أخطو عابرةً من مكان انفجار القذيفة: إييه طولي بالك هي فقط آثارها.

عصر الأمس لم تجد “هالة” الممدة باصابتها ودمائها على رصيف جانبي من يسعفها في الوقت المناسب، على باب المشفى قضت وانضمت إلى الذين كتبت القذائف نهاية حياتهم التي كان لديهم الكثير فيها ليصنعوه ويحققوه.
بالنسبة لي نجوت لكنني لا زلت حتى اللحظة أرقص مع قذائف الهاون كما غيري من سكان الضاحية، رقصة الخوف والموت والألم، والتمني بأن يأتي مسرعاً اليوم الذي لا تسقط فيه قذيفة في أي حي سوري ولا نخسر أي إنسان.

اقرأ أيضاً: ابن حلب يمشي إلى ما قبل الحرب بلا ساقين

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *